مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة تتسارع فيها التطورات العسكرية والدبلوماسية في وقت واحد. ففي الميدان تتحدث تقارير عن اقتراب القوات المسلحة من مواقع تابعة للدعم السريع في بعض الجبهات، بينما تتصاعد في نيويورك أزمة دبلوماسية على خلفية عدم منح الولايات المتحدة تأشيرة دخول للفريق أول عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي المقابل، برزت تقارير عن تلويح المملكة العربية السعودية بالانسحاب من المجموعة الرباعية المعنية بالسودان احتجاجًا على الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع مسألة التأشيرة. ولم يصدر، حتى الآن، ما يكفي لإثبات أن الانسحاب أصبح قرارًا سعوديًا نهائيًا، ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره ضغطًا أو تلويحًا سياسيًا منسوبًا إلى مصادر إعلامية.
وتزامن ذلك مع استمرار المساعي الأمريكية لفرض هدنة لمدة 90 يومًا، ومع الدفع باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تحولت أزمة تأشيرة البرهان من خلاف أمريكي–سوداني إلى أزمة داخل الآلية الرباعية نفسها؟
أولاً: مجريات الحرب.. الميدان يفرض نفسه
على الرغم من تصاعد الحديث عن الهدنة والتسوية السياسية، فإن العمليات العسكرية لم تتوقف.
وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار تقدم القوات المسلحة وحلفائها في عدد من المحاور، بينما تواصل قوات الدعم السريع عملياتها وهجماتها في مناطق أخرى.
وتكتسب الأخبار المتداولة عن اقتراب القوات المسلحة من مواقع الدعم السريع أهمية خاصة؛ لأنها تعني أن موازين القوة على الأرض ما زالت عنصرًا رئيسيًا في حسابات الأطراف.
وقد أشارت تحليلات ميدانية حديثة إلى أن المكاسب التي حققتها القوات المسلحة خلال الفترة الماضية في الخرطوم وكردفان بدأت تؤثر في الحسابات السياسية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
كلما تغيرت خريطة السيطرة العسكرية، تغيرت معها شروط التفاوض.
ثانياً: أزمة تأشيرة البرهان.. من مسألة إجرائية إلى قضية سياسية
تطور ملف تأشيرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أزمة دبلوماسية واضحة.
فبحسب رويترز، لم تمنح الولايات المتحدة البرهان تأشيرة دخول لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما أشارت مصادر سودانية ودبلوماسية إلى أن إصدار التأشيرة بدا مرتبطًا بقبوله مقترح الهدنة لمدة 90 يومًا الذي طرحه مسعد بولس.
وقد تدخلت الأمانة العامة للأمم المتحدة في المسألة، وقال المتحدث باسم الأمين العام إن أنطونيو غوتيريش يشعر بقلق عميق إزاء عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمانة العامة تواصلت مع السلطات الأمريكية بشأن القضية.
وبذلك لم تعد القضية مجرد تأخير في إصدار تأشيرة، بل أصبحت مرتبطة بثلاثة ملفات:
العلاقة بين واشنطن والسلطة السودانية.
الهدنة المقترحة لمدة 90 يومًا.
حق السودان في تمثيل نفسه على أعلى مستوى أمام الجمعية العامة.
ثالثاً: لماذا رفض البرهان الهدنة بالشكل المطروح؟
الموقف السوداني من الهدنة لا يمكن قراءته باعتباره رفضًا للسلام.
فالبرهان أعلن أن الوقت حان لوضع حد للحرب، كما أن الحكومة السودانية أكدت في أكثر من مناسبة أن السلام يمثل هدفًا استراتيجيًا.
لكن الخلاف يتمحور حول شروط وقف إطلاق النار وترتيباته وضماناته.
وترى القيادة السودانية أن الهدن السابقة أتاحت للدعم السريع إعادة تنظيم صفوفه والحصول على إمدادات، بينما ترى واشنطن أن استمرار القتال لا ينتج حلًا عسكريًا مستدامًا.
وهنا تكمن المشكلة:
الطرفان يتحدثان عن السلام، لكنهما يختلفان حول الطريق الذي يقود إليه.
رابعاً: السعودية والرباعية.. تطور يحتاج إلى قراءة هادئة
تداولت مصادر إعلامية تقارير عن تلويح المملكة العربية السعودية بالانسحاب من المجموعة الرباعية بسبب أزمة تأشيرة البرهان.
وبحسب تلك التقارير، فإن الرياض ترى أن التعامل مع البرهان بهذه الطريقة قد يضر بفاعلية الوساطة ويضعف قدرة الرباعية على العمل المشترك.
لكن من المهم التأكيد أن التلويح بالانسحاب لا يساوي إعلان الانسحاب.
وفي حال تأكد وجود هذا الموقف السعودي، فإنه سيكون ذا أهمية كبيرة؛ لأن السعودية لعبت دورًا أساسيًا في مسار جدة، كما أنها واحدة من أطراف الرباعية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والإمارات.
ومن ثم فإن أي خلاف داخل الرباعية قد يؤثر في قدرتها على تقديم مبادرة موحدة.
خامساً: لماذا تمثل السعودية عنصرًا مهمًا في المعادلة؟
السعودية ليست مجرد طرف خارجي في الأزمة السودانية.
فالمملكة ترتبط بالسودان بعلاقات تاريخية وجغرافية وأمنية، كما أنها معنية بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر.
وقد استضافت جدة جولات تفاوضية بين الأطراف السودانية، كما شاركت الرياض في المسار الرباعي الهادف إلى وقف الحرب.
ولهذا فإن وجود خلاف سعودي–أمريكي حول إدارة الملف السوداني سيكون له أثر يتجاوز البلدين.
فالسؤال لن يكون فقط:
هل تختلف الرياض وواشنطن؟
بل: هل تستطيع الرباعية الاستمرار في العمل إذا اختلف اثنان من أبرز أعضائها حول طبيعة التعامل مع القيادة السودانية؟
سادساً: الولايات المتحدة وحظر السلاح على كامل السودان
في موازاة أزمة التأشيرة، تستمر واشنطن في الدفع باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.
وقد طرحت الولايات المتحدة في أغسطس مشروعًا لتوسيع الحظر، بما يشمل الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها، بينما عارضت الحكومة السودانية الخطوة، وحذرت روسيا والصين من توسيع العقوبات.
وترى واشنطن أن توسيع الحظر يمكن أن يساعد في وقف تدفق السلاح الخارجي وإجبار الأطراف على التفاوض.
بينما ترى الخرطوم أن الحظر الشامل قد يقيّد قدرة الدولة والقوات المسلحة على الدفاع عن الأراضي السودانية، خصوصًا في ظل استمرار حصول الدعم السريع على أسلحة ومعدات من خارج البلاد بحسب الاتهامات السودانية.
وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في الحرب:
كيف يمكن وقف تدفق السلاح إلى الأطراف من دون تحويل حظر السلاح إلى قيد غير متوازن على الدولة ومؤسساتها؟
سابعاً: هل أصبحت واشنطن جزءًا من المشكلة السياسية؟
من منظور الخرطوم، فإن ربط التأشيرة بقبول الهدنة يمثل انتقالًا من الوساطة إلى ممارسة ضغط مباشر على القيادة السودانية.
أما واشنطن فتقدم مقاربتها باعتبارها وسيلة للضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
وبين الموقفين توجد مساحة واسعة للخلاف.
لكن التطور الأكثر أهمية هو أن الولايات المتحدة لم تعد تتحدث فقط عن وقف إطلاق النار، بل أصبحت تتناول أيضًا مستقبل السلطة السياسية.
وهذا ينسجم مع التصريحات الأمريكية الأخيرة التي أكدت أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقادتهما لا يمثلون، من وجهة نظر واشنطن، سلطة دستورية شرعية لحكم السودان.
وبالتالي فإن واشنطن تنظر إلى الملف من زاويتين:
إنهاء الحرب، ثم إعادة تشكيل المسار السياسي.
وهذا هو ما يجعل موقفها موضع اهتمام ومخاوف في الوقت نفسه.
ثامناً: الأمم المتحدة.. بين الوساطة وأزمة التمثيل
تزامنت الأزمة مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما منحها بعدًا دوليًا إضافيًا.
فالبرهان كان مقررًا أن يخاطب الجمعية العامة، وعدم وصوله إلى نيويورك يعني أن السودان قد يضطر إلى تمثيل نفسه عبر وفد آخر.
وفي المقابل، يوجد في نيويورك عدد من القوى السودانية المدنية والسياسية التي تسعى إلى تقديم رؤيتها للأزمة.
وهذا يخلق معركة أخرى:
معركة التمثيل السياسي للسودان أمام المجتمع الدولي.
ومن المهم هنا أن يكون تمثيل السودان في المحافل الدولية قائمًا على قواعد الدولة ومؤسساتها، مع إتاحة المجال للقوى المدنية والسياسية للتعبير عن رؤاها، دون تحويل المنبر الدولي إلى ساحة لإقصاء السودانيين بعضهم لبعض.
تاسعاً: مناوي.. رفض المساومة وصراع الخطاب السياسي
تزامنت الأزمة مع تصريحات مني أركو مناوي حول أن رفض المساومة على صوت السودان ساهم، بحسب رؤيته، في رفع شعبية البرهان.
وهذه التصريحات تعكس جانبًا من التحول في المزاج السياسي داخل معسكر الدولة.
فكلما شعر قطاع من السودانيين بأن الضغوط الخارجية تستهدف القرار الوطني، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الالتفاف حول القيادة القائمة.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب والضغوط الاقتصادية والإنسانية قد يولد اتجاهًا معاكسًا يطالب بتسوية عاجلة.
ومن هنا فإن المزاج الشعبي لا يتحرك في اتجاه واحد، وإنما يتأثر بتطورات الميدان والاقتصاد والخدمات والمواقف الخارجية.
عاشراً: حظر السلاح.. هل يوقف الحرب أم يغير ميزانها؟
المسألة تحتاج إلى قراءة دقيقة.
إذا كان الهدف من الحظر منع السلاح الخارجي عن جميع أطراف الحرب، فإن تطبيقه يحتاج إلى آلية شاملة تمنع التهريب والتمويل الخارجي.
أما إذا طُبق عمليًا على طرف دون آخر، فقد يؤدي إلى تغيير ميزان القوة بدلًا من إنهاء الحرب.
وقد اعترضت الخرطوم على توسيع الحظر، فيما حذرت الصين وروسيا من توسيع الإجراءات العقابية، بينما أيدت دول غربية الخطوة.
ولهذا فإن القضية ليست في مبدأ منع السلاح فقط، وإنما في: من يراقب؟ وكيف يراقب؟ وعلى من يطبق؟
الحادي عشر: جهود الداخل والأشقاء
في مواجهة الضغوط الخارجية، تصبح الجبهة الداخلية أكثر أهمية.
فالسودان يحتاج إلى توسيع الحوار الوطني، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والاجتماعية، وتعزيز الإدارة المدنية في المناطق المستقرة، والعمل على عودة النازحين، وإعادة تشغيل المدارس والجامعات والمستشفيات والمحاكم والخدمات.
كما أن دور الأشقاء، خصوصًا مصر والسعودية، يمكن أن يشكل عنصر توازن مهمًا في أي مسار سياسي، إذا قام على احترام سيادة السودان ووحدته ومؤسسات الدولة.
والأهم أن يكون الدعم العربي والإفريقي مكملًا للحوار السوداني، وليس بديلًا عنه.
الثاني عشر: الاقتصاد وإعادة بناء الدولة
لا يمكن فصل أزمة التأشيرة والضغط الدبلوماسي عن الأزمة الاقتصادية.
فالجنيه السوداني تعرض خلال الأشهر الأخيرة لضغوط شديدة، وأشارت رويترز إلى تراجع قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش إلى مستويات قياسية في السوق الموازية، مع انعكاسات مباشرة على أسعار السلع ومعيشة المواطنين.
وهذا يعني أن استمرار الحرب لا يستهلك القوة العسكرية فقط، بل يستهلك قدرة الدولة الاقتصادية.
ومن هنا فإن أي مسار سياسي جاد يجب أن يضع الاقتصاد في قلب التسوية، بما يشمل:
استقرار العملة.
استعادة الإنتاج.
حماية الصادرات.
مكافحة تهريب الذهب.
إعادة تشغيل الموانئ.
دعم الزراعة.
إعادة تأهيل البنية التحتية.
إعادة الكهرباء والمياه.
التحليل الاستراتيجي
يمكن قراءة التطورات الحالية ضمن أربع دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى: الميدان
القوات المسلحة تسعى إلى استكمال عملياتها العسكرية، بينما يحاول الدعم السريع الحفاظ على مواقعه وفتح جبهات جديدة.
الدائرة الثانية: الهدنة
واشنطن تضغط باتجاه هدنة لمدة 90 يومًا، بينما تطالب الخرطوم بضمانات وشروط تحول دون استفادة الطرف الآخر عسكريًا من الهدنة.
الدائرة الثالثة: الصراع الدبلوماسي
تحولت تأشيرة البرهان إلى قضية تتجاوز السفر، وأصبحت اختبارًا للعلاقة بين السودان والولايات المتحدة ولطبيعة الدور الأمريكي في الأزمة.
الدائرة الرابعة: الرباعية
إذا تأكد الخلاف السعودي حول أسلوب واشنطن في إدارة الملف، فإن ذلك قد يضعف الانسجام داخل الرباعية، ويعيد طرح سؤال الوسيط المقبول لدى الأطراف السودانية.
السؤال الأكبر: هل يمكن أن تتحول أزمة التأشيرة إلى أزمة في مسار السلام؟
نعم، من حيث التأثير المحتمل على الوساطة، وليس بمعنى أن انهيار الرباعية أصبح واقعًا.
فالرباعية تحتاج إلى قدر من الانسجام بين أعضائها حتى تتمكن من ممارسة ضغط متوازن على أطراف الحرب.
وإذا أصبح أحد أعضائها يرى أن طرفًا آخر يستخدم الملف السوداني لفرض شروط سياسية، فقد تتراجع الثقة داخل الآلية.
لكن في الوقت نفسه، فإن وجود اختلافات داخل أي مجموعة وساطة لا يعني بالضرورة انهيارها.
وقد يكون الخلاف الحالي فرصة لإعادة تعريف دور الرباعية، بحيث تتحول من آلية ضغط إلى آلية تفاوض أكثر توازنًا.
خاتمة عملية قابلة للتنفيذ
في هذه المرحلة، يحتاج السودان إلى العمل على ستة مسارات متزامنة:
إدارة الأزمة الدبلوماسية مع واشنطن بهدوء، وعدم السماح بتحول الخلاف إلى قطيعة سياسية.
تعزيز التنسيق مع السعودية ومصر، والاستفادة من دورهما في الحفاظ على تماسك المسار الإقليمي.
الدفع نحو هدنة بضمانات واضحة تمنع استخدامها لإعادة الانتشار أو إعادة التسليح.
رفض أي ترتيبات تؤدي إلى تقسيم السودان أو إنشاء حكومات متوازية.
توحيد الجبهة الداخلية حول ثوابت الدولة، مع فتح المجال أمام الحوار السياسي.
البدء الفوري في إعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات والاقتصاد في المناطق المستقرة.
الخلاصة
تبدو أزمة تأشيرة البرهان في ظاهرها قضية دبلوماسية، لكنها في جوهرها تعكس صراعًا أوسع حول كيفية إنهاء الحرب ومن يملك التأثير في شكل السودان السياسي بعد الحرب.
وفي المقابل، فإن التقارير عن تلويح السعودية بالانسحاب من الرباعية، إذا تأكدت رسميًا، ستكون مؤشرًا مهمًا على وجود اختلاف داخل الآلية التي تقود جانبًا من جهود الوساطة. أما في الوقت الحالي، فينبغي التعامل معها باعتبارها تقريرًا إعلاميًا يحتاج إلى تأكيد رسمي.
كما أن ملف حظر السلاح يمثل تحديًا آخر؛ فالمطلوب هو منع التدخل العسكري الخارجي الذي يطيل الحرب، مع عدم إنتاج وضع يضعف قدرة مؤسسات الدولة على حماية أراضيها.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية أمام السودان ليست فقط في نيويورك، ولا في ميدان القتال، وإنما في القدرة على تحويل التطورات العسكرية إلى استقرار سياسي، وتحويل عودة مؤسسات الدولة إلى مشروع وطني لإعادة البناء والإعمار.
فالسلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد توقف لإطلاق النار، وإنما سلام يحفظ وحدة الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويعيد للمدنيين حياتهم، ويضع القرار السوداني في مركز صناعة مستقبل السودان.


