• الولايات المتحدة ليست صديقاً مضموناً لأحد، وليست عدواً أبدياً له، فلا يصح للسودان أن ييأس منها، ولا للإمارات أن تطمئن لها.
• هى دولة كبرى تتحرك وفق مصالحها وأمنها وحساباتها الداخلية والدولية، وعليه فإن إصلاح العلاقة معها لا يكون بالاستجداء ولا بالخصومة المجانية، بل بسياسة تعرف ما تريد، وتدرك ما تملك، وتفاوض من موقع الندية، مع قول الحق حين يلزم
• تأتي هذه الحاجة في لحظة شديدة الحساسية، فقد حُجبت أو تأخرت تأشيرة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فتعذر عليه عملياً المشاركة في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الموعد المقرر، وحتى لحظة إعداد هذا المقال، لم تعلن واشنطن قراراً قنصلياً مكتوباً يشرح سبب الرفض بصورة رسمية، لكن الواقعة السياسية واضحة: ممثل السودان الأول لم يتمكن من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة في الدولة المضيفة، بينما ربطت تقارير صحفية ودبلوماسية هذا التأخير بالخلاف حول مقترح هدنة في السودان
• إن الولايات المتحدة ، بوصفها دولة مقر الأمم المتحدة، مطالبة باحترام الالتزامات الخاصة بمرور ممثلي الدول الأعضاء إلى المقر، ولا يجوز أن تتحول التأشيرة الخاصة بالمشاركة في أعمال المنظمة الدولية إلى أداة ضغط في نزاع ثنائي.
• في الوقت نفسه، فإن الرد السوداني الأقوى ليس الاكتفاء بالاحتجاج أو تحويل الواقعة إلى معركة كرامة، بل المطالبة بتفسير مكتوب، وتفعيل القنوات الأممية والرسمية، والفصل بين حق السودان في الوصول إلى الأمم المتحدة وبين الخلاف السياسي حول الحرب
• لقد أظهر التعامل الأمريكي أن واشنطن لا تنظر إلى السودان من زاوية واحدة، فهي تعاقب قيادات في الجيش والدعم السريع، وتطالب بهدنة ووصول إنساني وانتقال مدني، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع قوى إقليمية مؤثرة، ومنها الإمارات، ضمن أطر الوساطة والرباعية، مما يفرض على السودان أن ينتقل من ردود الأفعال إلى بناء ملف متكامل، لا يكتفي بإدانة الموقف الأمريكي، ولا يمنح واشنطن شرعية مطلقة في تقرير مستقبل السودان
• إن التمرد الذي شنته مليشيا الدعم السريع، وما ارتكبته من قتل ونهب وتهجير وإبادة وإرهاب، لا يمكن مساواته بالدولة ومؤسساتها
• كما أن الدعم الخارجي الذي أطال الحرب، وفي مقدمته الدعم الإماراتي للشبكات والكيانات التي ساندت المليشيا، يجب أن يكون في صدارة أي حوار سوداني أمريكي، فقد وثقت جهات أمريكية وأممية وجود شركات وشبكات مرتبطة بالإمارات قدمت تمويلاً ومعدات وخدمات لوجستية أفادت الدعم السريع، حتى مع إستمرار الإمارات في نفي مسؤولية حكومتها المباشرة
• وهنا يجب أن يكون الخطاب قوياً ودقيقاً في آنٍ واحد، فالسودان لا يحتاج إلى اتهامات فضفاضة يسهل إسقاطها، بل إلى ملف موثق يحدد الشركات والأفراد ومسارات المال والسلاح والطيران والذهب، ويطالب واشنطن بتطبيق عقوباتها على كل من يثبت تورطه، أياً كانت جنسيته أو علاقته السياسية.
• فإذا كانت الولايات المتحدة جادة في إنهاء الحرب، فعليها ألا تكتفي بالضغط على الضحية، بل أن تستخدم نفوذها على الداعمين الخارجيين أيضاً
• تعيش إدارة ترامب أولوية أمنية واضحة بسبب الحرب مع إيران، وحماية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومواجهة شبكات الحرس الثوري والوكلاء المسلحين، ويقع السودان في منطقة تتقاطع فيها هذه المصالح مع موقعه على البحر الأحمر، وموانئه، وخطوط التجارة، واحتمالات تحول أراضيه أو سواحله إلى مجال لنقل السلاح أو تهديد الملاحة
• وينبغي على السودان ألا يعرض نفسه على واشنطن باعتباره قاعدة متقدمة في حربها على إيران، ولا أن يقبل أن يصبح ساحة لتصفية الحسابات الدولية
• المطلوب هو تعاقد واضح: السودان دولة ذات سيادة، لا يسمح باستخدام أراضيه أو موانئه لتهديد أمن الدول أو الملاحة، ولا يقبل في المقابل أن تستخدم واشنطن ملف إيران ذريعة للتدخل في قراراته الوطنية.
• ومن مصلحة السودان أن يعلن بوضوح رفضه لأي نشاط مسلح عابر للحدود، وأن يفصل بين مؤسسات الدولة السودانية وبين أي جماعات أو كيانات مصنفة أمريكياً.
• كما يجب ألا تحاسب الدولة السودانية (شعباً وقواته المسلحة ومؤسساته المدنية) بسبب صلات أو اتهامات تخص فصائل أو أفراداً بعينهم.
• هذا الفصل ضروري حتى لا تتحول العقوبات الفردية إلى حصار على الدولة والمجتمع.
• وفي المقابل، على واشنطن أن تدرك أن معالجة المخاوف الأمنية لا تكون بدعم تقسيم السودان أو بإضعاف مؤسساته، الدولة السودانية الموحدة ذات الجيش الوطني الخاضع لإصلاح مؤسسي أفضل لأمن البحر الأحمر من فراغ تملؤه المليشيات، والمرتزقة وشبكات التهريب.
• تقترب إنتخابات الكونجرس، ويواجه ترامب وحزبه ضغوطاً بسبب الحروب الخارجية، وإرتفاع كلفة الطاقة، وتراجع الشعبية، وقد يغري ذلك بعض السودانيين بالاعتقاد أن السودان يمكن أن يقدم لترامب إنجازاً سريعاً يرفع رصيده الانتخابي، غير أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى دليل كافٍ، فالضغط الانتخابي الأمريكي يتركز بصورة أكبر على إيران والاقتصاد، ولا توجد واقعة موثقة تثبت أن قراراً أمريكياً محدداً بشأن السودان اتخذ لكسب أصوات الناخبين
• مع ذلك، فإن قرب الإنتخابات يخلق نافذة دبلوماسية محدودة، فالإدارة قد ترغب في إظهار نجاح سريع في وقف حرب مدمرة، والكونجرس يضم أصواتاً من الحزبين تطالب بمعاقبة ممولي الحرب وداعميها، وبحماية المدنيين، وبإعادة تفعيل دور المبعوث الخاص
• يجب على السودان أن يحذر من قبول إتفاق ناقص أو هدنة غامضة من أجل أن يقدمها أي طرف أمريكي كإنجاز انتخابي، الهدنة المقبولة سودانياً ينبغي أن تكون متبادلة ومراقبة وقابلة للتحقق، وأن تضمن وصول الإغاثة، وأن ترتبط بانسحاب الدعم السريع من المدن والمرافق المدنية، وبحماية السكان، وبآلية واضحة للمحاسبة، أما إستخدام التأشيرة أو المساعدات أو الإعتراف السياسي لإجبار السودان على قبول صيغة لا تحقق الأمن، فسوف يطيل الأزمة بدل أن ينهيها.
• كما يجب أن يضع السودان ثلاثة مطالب في مقدمة علاقته مع واشنطن:
• أولاً : تصنيف الدعم السريع وشبكات تمويله وتسليحه وداعميه تصنيفاً يترتب عليه أثر عملى، ولا يكفي إصدار بيانات الإدانة، فالمطلوب تجميد الأموال، وملاحقة الشركات الوسيطة، وتدقيق تجارة الذهب، ومراقبة الرحلات والشحنات، وفرض كلفة على الدول والكيانات التي تواصل تغذية الحرب
• ثانياً: إعفاء الديون أو إعادة هيكلتها بما يفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، فالسودان الذي خرج من حرب مدمرة لا يستطيع أن يبدأ بناء اقتصاده وهو يحمل أعباء ديون تاريخية وفوائد متراكمة، إذ يمكن لواشنطن أن تقود تحركاً دولياً في المؤسسات المالية، لا منحةً للسودان، بل مساهمةً في منع الانهيار الذي يهدد الاستقرار الإقليمي.
• ثالثاً : رفع العقوبات التي تعيق الدولة والمجتمع، مع الإبقاء على العقوبات الفردية والقطاعية ضد مرتكبي الجرائم وممولي الحرب.
• وتضاف إلى ذلك ملفات الزراعة والطاقة والموانئ والاتصالات والصحة والتعليم، فالسودان لا يريد مساعدات غذائية إلى الأبد، بل يريد استثماراً يخلق العمل، وتقنية ترفع الإنتاج، وتمويلاً يعيد تشغيل الاقتصاد، وقد بدأت الاستراتيجية الأمريكية تميل إلى التجارة، والاستثمار وتقاسم الأعباء، وهذه فرصة للسودان إذا قدم مشروعات قابلة للتمويل، وبيئة قانونية شفافة وضمانات ضد الفساد.
• ينبغي تشكيل فريق وطني صغير للعلاقة مع الولايات المتحدة (إن لم يكن مشكلاً مسبقاً) يضم وزارة الخارجية، والمالية، والعدل والجهات المختصة، على أن يعمل بتفويض واضح وملف واحد، ويجب أن يتولى الفريق إعداد مذكرة موثقة عن جرائم الدعم السريع، والدعم الخارجي، واحتياجات الإعمار وملف الديون والعقوبات، مع ترجمتها إلى الإنجليزية وإيداعها رسمياً لدى الخارجية الأمريكية والكونجرس والأمم المتحدة.
• كما ينبغي طلب إجتماع رسمي رفيع لمناقشة ثلاثة مسارات منفصلة: مسار التأشيرة والتزامات دولة المقر، ومسار وقف الحرب ومسار العلاقات الاقتصادية.
• فصل هذه المسارات يمنع استخدام أحدها لابتزاز السودان في المسار الآخر.
• وخلال عام واحد، ينبغي السعي إلى إتفاق إطار سوداني أمريكي يتضمن: وقف دعم المليشيات، حماية الملاحة في البحر الأحمر، وصول الإغاثة، مساراً سياسياً سودانياً لا تفرضه العواصم، مراجعة العقوبات وفق مؤشرات معلنة، ودعم إعادة الإعمار والاستثمار، ويجب أن يكون الاتفاق قابلاً للمراجعة، لا وعداً مفتوحاً ولا تنازلاً دائماً.
• الصديق الممكن ليس الذى يوافقنا في كل شيء، بل من يمكن التفاوض معه على مصالح واضحة، ومحاسبته عندما ينحرف، والاستفادة من نفوذه دون الارتهان له.
• والولايات المتحدة، رغم تناقضاتها وانحيازاتها وحساباتها، تملك أدوات يمكن أن تساعد السودان في وقف تدفق السلاح، وملاحقة ممولي الحرب، وإعفاء الديون وفتح أبواب الاستثمار.
• لكن ذلك لن يحدث إذا ذهب السودان إلى واشنطن منقسماً، أو متوسلاً، أو حاملاً خطاباً عاطفياً بلا ملفات.
• ولن يحدث أيضاً إذا قبل أن تكون سيادته ثمناً لرضا إدارة عابرة أو انتخاباً قريباً.
• الطريق الصحيح هو قوة الحق، ودقة المعلومة، ووحدة الموقف، والندية، والقدرة على تقديم المصالح المشتركة دون التخلي عن حق السودان في تقرير مستقبله.
• إن إصلاح العلاقة مع أمريكا لا يعني أن ننسى جرائم الحرب أو أن نصمت عن الدعم الإماراتي للمليشيا، ولا يعني أن نقبل مساواة الدولة بالمتمردين،
• بل يعني أن نستخدم كل القنوات الرسمية، والقانونية والدبلوماسية حتى تصبح الحقيقة سياسة، وتصبح العقوبات حمايةً للمدنيين، وتصبح المساعدات جسراً للإنتاج ويصبح الموقع السوداني على البحر الأحمر مصدراً للسيادة والتنمية، لا ميداناً للتنافس الأجنبي.


