Popular Now

مسارات .. أين السودان من خرائط الإمبراطوريات الجديدة؟ الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.. من صراع القارات إلى معركة النفوذ .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أصل القضية | السودان.. قانون النجاة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أكتوبر الوردي… حين يصبح الأمل جزءًا من العلاج .. د. حنان درار

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (14) من كردفان إلى نيويورك وأبوظبي… الحرب السودانية تدخل مرحلة إعادة تشكيل الإقليم .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة: الحرب لم تعد سودانية فقط
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية في كردفان، وتعلن القوات المسلحة السودانية استعادة مناطق جديدة، تتصاعد الضغوط الدبلوماسية في نيويورك، وتدخل السعودية بصورة أكثر وضوحًا في ملف حماية المساعدات الإنسانية، بينما تطرح روسيا رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب، وتتفاقم في الجوار الإثيوبي مؤشرات عودة الحرب.
وفي الوقت ذاته، يرفض السودان استضافة الإمارات لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، متهمًا أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، في حين تنفي الإمارات ذلك.
وبذلك لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة داخل السودان.
إنها أصبحت نقطة تقاطع بين:
السلاح والحدود، والبحر الأحمر، والأمن الإقليمي، والمصالح الدولية، والاقتصاد، والشرعية، ومستقبل الدولة السودانية.
أولاً: كردفان تتحول إلى مركز الثقل العسكري
شهد محور كردفان خلال الأيام الماضية تطورات ميدانية متسارعة.
فقد أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة والقوة الشعبية المساندة استعادة منطقة سودري في شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن انتقال العمليات باتجاه حمرة الشيخ والمزروب. كما أفادت مصادر عسكرية بإحراز تقدم في محاور أخرى من شمال كردفان.
ولا يمكن التعامل مع سودري باعتبارها مجرد بلدة صغيرة في الخريطة العسكرية.
فموقعها يجعلها جزءًا من شبكة طرق وممرات تربط شمال كردفان بدارفور، ولذلك فإن السيطرة عليها تؤثر في خطوط الإمداد والتحرك العسكري.
لكن ينبغي التأكيد أن الإعلان عن السيطرة على منطقة لا يعني وحده حسم الجبهة بالكامل؛ فالحرب السودانية أثبتت أن السيطرة الميدانية قابلة للتغير، وأن خطوط المواجهة لا تُقاس فقط بالمدن التي تدخلها القوات وإنما بقدرتها على تثبيت مواقعها وتأمين خطوط الإمداد.
ثانياً: انشقاقات الدعم السريع… مؤشر مهم ولكن ليس حكمًا نهائيًا
بالتزامن مع التطورات في كردفان، تتواصل أخبار الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع.
وفي أحدث التطورات، أعلن قائد ميداني يدعى الطيب الوحيدو انشقاقه عن الدعم السريع ووصوله إلى أم درمان مع نحو 50 مقاتلًا وعدد من المركبات المسلحة، وفق تقارير صحفية نقلت تصريحاته.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من ثلاثة جوانب:
الأول: أنها تكشف عن وجود ضغوط على التماسك الداخلي للقوة.
الثاني: أنها تؤثر في المعلومات الاستخبارية والعملياتية التي يمكن أن تنتقل إلى الطرف الآخر.
الثالث: أنها تطرح سؤالًا حول مستقبل شبكات التحالف المحلية التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع خلال الحرب.
لكن من الضروري عدم المبالغة.
فالانشقاق، مهما كانت أهميته، لا يعني تلقائيًا انهيار قوة عسكرية كبيرة، خصوصًا في حرب ممتدة ومعقدة مثل الحرب السودانية.
ثالثاً: الأبيض تحت ضغط المسيّرات
في المقابل، ما تزال مدينة الأبيض تواجه خطر الهجمات بالطائرات المسيّرة.
وقد اتهمت السعودية قوات الدعم السريع بتنفيذ ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت شحنة مساعدات إنسانية سعودية قرب الأبيض في أغسطس، وقالت في رسالة إلى مجلس الأمن إن الهجوم أدى إلى تدمير 1,150 طردًا غذائيًا وإحراق الشاحنة، دون تسجيل وفيات. وأكدت الرياض أنها تلقت تأكيدًا من وزارة الخارجية السودانية بشأن مسؤولية الدعم السريع عن الهجوم.
وهذا التطور بالغ الأهمية؛ لأن دخول السعودية إلى مجلس الأمن في هذه القضية يعني أن ملف الحرب السودانية بدأ يُقرأ بصورة متزايدة من زاوية:
حماية المساعدات الإنسانية وأمن العاملين في الإغاثة.
وهو ملف يصعب على المجتمع الدولي تجاهله.
رابعاً: السعودية تنتقل من الوساطة إلى حماية المصالح الإنسانية والإقليمية
الموقف السعودي الأخير يحمل دلالة تتجاوز حادثة واحدة.
فالرياض كانت ولا تزال جزءًا من الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تملك مصالح مباشرة في أمن البحر الأحمر، واستقرار السودان، ومنع تمدد الصراع إلى دول الجوار.
والشكوى السعودية إلى مجلس الأمن ضد الدعم السريع بشأن استهداف المساعدات تمثل انتقالًا من الدبلوماسية العامة إلى تسجيل موقف رسمي داخل مؤسسة دولية.
وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبح السودان حاضرًا بصورة متزايدة في الحسابات السعودية المتعلقة بالأمن الإقليمي.
فالرياض لا تنظر إلى السودان فقط باعتباره دولة جارة عبر البحر الأحمر، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة الأمن العربي والبحر الأحمر وأمن الملاحة الدولية.
خامساً: البرهان في الخرطوم… رسالة إلى الداخل والخارج
في الوقت الذي حُرم فيه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان من السفر إلى نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ظهر في الخرطوم وسط تجمع شبابي ورياضي كبير، وخاطب الحاضرين مؤكدًا أن السودان لن يخضع للضغط أو الابتزاز.
وقال البرهان إن السودان لا يحتاج إلى تأشيرة أو إذن من أحد، وإن بلاده لن تقبل المساومة، كما أكد استمرار الحرب ضد قوات الدعم السريع.
سياسيًا، تحمل هذه الصورة أكثر من رسالة.
الرسالة الأولى
إظهار أن القيادة موجودة داخل البلاد وليست معزولة عنها.
الرسالة الثانية
تحويل أزمة التأشيرة من نقطة ضعف دبلوماسية إلى خطاب سيادة وطنية.
الرسالة الثالثة
إظهار أن الدولة تسعى إلى العودة للحياة الطبيعية رغم استمرار الحرب.
الرسالة الرابعة
إرسال رسالة إلى الداخل بأن القيادة ما زالت قادرة على الظهور في العاصمة والتحرك فيها.
وهذا مهم في الحروب الطويلة؛ لأن الصورة السياسية للدولة لا تقل أهمية عن الخريطة العسكرية.
سادساً: البرهان أمام الشباب… عودة الدولة إلى المجال العام
ظهور البرهان في الخرطوم وسط تجمع شبابي كبير يختلف سياسيًا عن ظهوره في مؤتمر رسمي أو اجتماع عسكري.
فالمشهد يربط الدولة بالمجتمع، ويقدم رسالة بأن الخرطوم، رغم الدمار الذي أصابها خلال الحرب، تستعيد تدريجيًا مظاهر الحياة العامة.
لكن هذا المسار يحتاج إلى أن يتجاوز الرمزية.
فعودة الدولة لا تكتمل بالظهور السياسي وحده، وإنما تحتاج إلى:
– الشرطة.
– القضاء.
– التعليم.
– الصحة.
– الكهرباء.
– المياه.
– الخدمات البلدية.
– المصارف.
– الجامعات.
– النشاط الاقتصادي.
– إعادة الإعمار.
وهنا يصبح التحدي الأكبر أمام الحكومة:
تحويل الاستقرار الأمني في المناطق المستعادة إلى استقرار مؤسسي وخدمي.
سابعاً: روسيا تدخل المشهد برسالة مختلفة
في نيويورك، قدم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف رؤية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي.
لافروف انتقد ما وصفه بسياسة الهيمنة والأحادية، ودعا إلى نظام أمني دولي أكثر تعددًا للأقطاب، كما دعا إلى تحرك دولي عاجل بشأن عدد من الأزمات، بينها السودان والصومال وجنوب السودان، إلى جانب الشرق الأوسط وأوكرانيا.
ولم يطرح لافروف في خطابه، وفق المصادر المتاحة، مبادرة تفصيلية جديدة بشأن السودان.
لكن أهمية الموقف الروسي تكمن في السياق الأوسع:
موسكو تريد أن يكون السودان جزءًا من النقاش حول النظام الدولي متعدد الأقطاب، لا مجرد ملف مساعدات أو نزاع داخلي.
وهذا يفتح أمام الخرطوم مجالًا للمناورة الدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يضعها وسط تنافس دولي متزايد.
ثامناً: ماذا يعني الموقف الروسي للسودان؟
روسيا تنظر إلى إفريقيا والبحر الأحمر باعتبارهما جزءًا من بيئة استراتيجية تتزايد أهميتها.
والسودان، بموقعه على البحر الأحمر، وبحدوده مع سبع دول، وبموارده الطبيعية، يمثل موقعًا مهمًا في أي استراتيجية روسية طويلة المدى في القارة.
لكن السودان يحتاج في التعامل مع موسكو إلى سياسة تقوم على:
المصلحة الوطنية أولًا، والتوازن ثانيًا، وعدم تحويل العلاقة مع روسيا إلى خصومة مع الغرب أو العكس.
فالمرحلة الحالية لا تسمح للسودان بأن يكون تابعًا لمحور دولي واحد، بل تحتاج إلى تعدد الشراكات.
تاسعاً: إثيوبيا… أخطر تطور إقليمي يقترب من السودان
في الجبهة الشرقية، تتجه إثيوبيا إلى مرحلة شديدة الحساسية.
فسبع جماعات مسلحة إثيوبية، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي، وقوات فانو في أمهرا، وقوى مسلحة من أوروميا وأفار وبني شنقول–قمز، أعلنت تشكيل تحالف يهدف إلى مواجهة حكومة آبي أحمد.
وفي الوقت نفسه، عادت الاشتباكات في تيغراي، بينما سيطرت قوات الإقليم على مطار عاصمة الإقليم، وأوقفت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى المنطقة.
وفي 27 سبتمبر، حذر الجيش الإثيوبي من اتساع الصراع، فيما اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي إريتريا بدعم جماعات مسلحة ضد الحكومة، وهي اتهامات تنفيها أسمرا.
وبذلك أصبحت إثيوبيا أمام احتمال عودة حرب واسعة.
عاشراً: لماذا يجب أن يقلق السودان من إثيوبيا؟
لأن أي توسع للحرب الإثيوبية سيكون له انعكاس مباشر على السودان.
هناك خمسة ملفات مشتركة:
1. الحدود
أي فراغ أمني إثيوبي قد يؤدي إلى زيادة الحركة المسلحة والتهريب.
2. اللاجئون
عودة الحرب في تيغراي وأمهرا وأوروميا يمكن أن تنتج موجات نزوح جديدة باتجاه السودان.
3. السلاح
الصراع الإثيوبي قد يفتح طرقًا جديدة لتجارة السلاح عبر الحدود.
4. الفشقة
التوترات القديمة حول الأراضي الحدودية يمكن أن تعود إلى الواجهة.
5. سد النهضة
كل اضطراب داخلي في إثيوبيا يعيد فتح أسئلة الأمن المائي والعلاقة مع السودان ومصر.
ولهذا فإن السودان لا يستطيع التعامل مع التطور الإثيوبي كخبر خارجي.
إنه تطور يمس الأمن القومي السوداني مباشرة.
الحادي عشر: السودان من جنوب السودان إلى تشاد وإثيوبيا وليبيا… خريطة الأزمة تتسع
إذا وضعنا الأحداث في خريطة واحدة، سنجد أن السودان محاط ببيئة أمنية شديدة التعقيد:
جنوبًا: جنوب السودان وتحدياته السياسية والاقتصادية والأمنية.
غربًا: تشاد التي تستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين السودانيين، وتواجه هي نفسها تحديات أمنية.
شرقًا: إثيوبيا التي تتجه نحو تصعيد جديد.
شمالًا: مصر التي تعتبر أمن السودان جزءًا من أمنها القومي.
شمال غرب: ليبيا وما يرتبط بها من شبكات تهريب وسلاح.
غربًا وجنوب غرب: منطقة الساحل التي تشهد تحولات أمنية متسارعة.
شرقًا عبر البحر: السعودية واليمن والبحر الأحمر وباب المندب.
ولهذا فإن استمرار الحرب السودانية يعني استمرار اضطراب أحد أكثر الأحزمة الجيوسياسية حساسية في أفريقيا.
الثاني عشر: أبوظبي ومؤتمر منع الجريمة… السودان يرفع سقف الاعتراض
في المقابل، واصلت أبوظبي استضافة مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية.
لكن السودان أعلن رفضه لاستضافة الإمارات للمؤتمر، متهمًا أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع وتقويض القانون الدولي.
وقالت النائب العام السودانية انتصار عبد العال إن اعتراض السودان لا يقدم باعتباره خلافًا سياسيًا فقط، وإنما باعتباره قضية مرتبطة بمبادئ العدالة الجنائية الدولية، وهذا يمثل تصعيدًا دبلوماسيًا مهمًا. فالسودان لم يعد يكتفي باتهام الإمارات في البيانات الثنائية.
بل بدأ يضع القضية داخل منصة أممية مرتبطة أصلًا بمكافحة الجريمة والعدالة الجنائية.
الثالث عشر: المفارقة الإماراتية
المفارقة التي يطرحها السودان واضحة:
كيف تستضيف دولة مؤتمرًا دوليًا حول منع الجريمة والعدالة الجنائية في الوقت الذي تواجه فيه اتهامات من الخرطوم ومنظمات حقوقية وجهات بحثية بدعم قوات متهمة بارتكاب انتهاكات في السودان؟
الإمارات تنفي تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
كما أن الاتهامات الدولية ليست كلها على درجة واحدة من التوثيق أو الإثبات. لكن القضية أصبحت أكبر من مجرد تبادل الاتهامات.
المطلوب هو تحقيق مستقل في مسارات السلاح والتمويل واللوجستيات.
فإذا ثبت الدعم، يجب أن تكون هناك مساءلة.
وإذا لم يثبت، يجب أن تظهر الحقيقة للرأي العام.
وهذا هو الطريق الوحيد للخروج من الحرب الإعلامية المتبادلة.
الرابع عشر: لماذا يمثل مؤتمر مكافحة الجريمة اختبارًا حقيقيًا للمجتمع الدولي؟
لأن الجرائم التي يناقشها المؤتمر نفسه ترتبط بصورة مباشرة بالحرب السودانية:
– الاتجار بالبشر.
– تهريب السلاح.
– غسل الأموال.
– الجريمة المنظمة.
– شبكات التمويل غير المشروع.
– تهريب الذهب.
– الجرائم العابرة للحدود.
– تجنيد المقاتلين.
– استغلال النازحين واللاجئين.
ومن هنا، فإن السودان يحتاج إلى أن يطرح داخل المؤسسات الدولية ملفًا متكاملًا عن اقتصاد الحرب.
فوقف إطلاق النار لن يكون كافيًا إذا بقيت الشبكات التي تمول الحرب وتسلحها تعمل.
الخامس عشر: السعودية تعيد تعريف موقعها في الأزمة السودانية
الموقف السعودي الأخير تجاه استهداف المساعدات الإنسانية يحمل رسالة واضحة.
الرياض لا تريد أن يكون السودان مصدرًا لتهديد أمن البحر الأحمر أو المساعدات الإنسانية أو الاستقرار الإقليمي.
كما أن السعودية تشارك في الرباعية الدولية المعنية بالسودان، إلى جانب الولايات المتحدة، ومصر والإمارات.
ولهذا فإن أي تحول في الموقف السعودي ستكون له أهمية كبيرة في مسار التسوية.
لكن الدور السعودي الأكثر فاعلية يمكن أن يكون في الجمع بين ثلاثة ملفات:
السلام السوداني، أمن البحر الأحمر والمساعدات الإنسانية.
وهي ملفات مترابطة وليست منفصلة.
السادس عشر: السودان أمام لحظة إعادة تموضع إقليمي
المشهد الحالي يكشف عن إعادة تموضع تدريجية:
مصر تؤكد أهمية مؤسسات الدولة ووحدة السودان.
السعودية تصعّد في مجلس الأمن بشأن استهداف المساعدات.
روسيا تطرح نظامًا دوليًا متعدد الأقطاب وتؤكد أهمية أزمات السودان والقرن الأفريقي.
إثيوبيا تواجه تحالفًا مسلحًا جديدًا وتصعيدًا في تيغراي.
الإمارات تستضيف مؤتمرًا أمميًا حول مكافحة الجريمة في ظل استمرار الاتهامات السودانية لها.
الولايات المتحدة تواصل الضغط من أجل هدنة ومسار سياسي، بينما ما زالت قضية تأشيرة البرهان تؤثر في العلاقة مع الخرطوم.
وفي وسط كل ذلك يقف السودان.
التحليل الاستراتيجي
1. الميدان يتحرك
التقدم المعلن في سودري والانشقاقات الجديدة يشيران إلى أن ميزان القوة في بعض محاور كردفان يشهد تغيرات، لكن ذلك لا يعني وحده حسم الحرب.
2. كردفان أصبحت محورًا حاسمًا
السيطرة على الطرق والممرات في كردفان تؤثر في العلاقة بين الوسط ودارفور، ولذلك فإن المعارك هناك تتجاوز قيمتها المحلية.
3. الحرب تدخل مرحلة استنزاف شبكات الإمداد
لم تعد المعركة فقط حول السيطرة على المدن، بل حول طرق الإمداد، الوقود، الذهب، السلاح، الحدود والمطارات.
4. البعد الإقليمي يتضخم
التطورات في إثيوبيا وحدها تكفي لجعل السودان أكثر ارتباطًا بأزمة القرن الأفريقي.
5. السعودية تتحرك بصورة أكثر وضوحًا
الشكوى أمام مجلس الأمن بشأن استهداف المساعدات تمثل مؤشرًا على ارتفاع مستوى الانخراط السعودي في حماية مصالحه الإنسانية والأمنية في السودان.
6. موسكو ترى السودان ضمن النظام الدولي الجديد
الموقف الروسي العام لا يقدم حلًا تفصيليًا للحرب السودانية، لكنه يضع السودان ضمن قائمة الأزمات التي تحتاج إلى معالجة دولية في إطار نظام متعدد الأقطاب.
7. أبوظبي تواجه اختبار المصداقية
الطريق الأقصر لتجاوز الاتهامات ليس البيانات الإعلامية، وإنما الشفافية والتحقيق القابل للتحقق.

الخاتمة: السودان بين معركة الأرض ومعركة القرار
المشهد السوداني في 27 سبتمبر 2026 لم يعد مشهد حرب عسكرية فقط،
إنه مشهد إعادة تشكيل للقرار السوداني والإقليمي؛
في كردفان تتحرك القوات وتُعاد صياغة خطوط الإمداد.
في الخرطوم يظهر البرهان أمام الشباب، في محاولة لإظهار عودة الدولة إلى المجال العام.
في نيويورك يتواصل الصراع الدبلوماسي حول تمثيل السودان وشرعية مؤسساته.
في الرياض تتحرك السعودية داخل مجلس الأمن دفاعًا عن مساعداتها الإنسانية.
في موسكو تطرح روسيا رؤيتها لنظام دولي جديد.
وفي إثيوبيا تتشكل تحالفات مسلحة جديدة تهدد بإعادة إشعال حرب واسعة.
وفي أبوظبي يستضيف المجتمع الدولي مؤتمرًا لمكافحة الجريمة، بينما يضع السودان على الطاولة اتهاماته المتعلقة بدعم الحرب.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا: الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع بين قوتين داخل حدود دولة،
إنها أصبحت جزءًا من صراع أكبر على الدولة، والموارد، والحدود، والبحر الأحمر، والقرار الإقليمي والنفوذ الدولي.
ولهذا فإن المعركة القادمة لن تحسم فقط في الميدان.
ستحسم أيضًا في:
غرف التفاوض، ومجلس الأمن، والحدود، والموانئ، والاقتصاد وشبكات السلاح والتمويل.
والسودان أمام فرصة مهمة إذا استطاع أن يحول التطورات الأخيرة إلى سياسة وطنية متماسكة:
توحيد الجبهة الداخلية، حماية مؤسسات الدولة، استعادة المناطق وتأمينها، إعادة الخدمات، فتح مسار سياسي سوداني، وتفعيل الدبلوماسية مع مصر، والسعودية، وروسيا، وتركيا، والصين، والولايات المتحدة، والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة دون الارتهان لمحور واحد.
أما التطورات في إثيوبيا، فيجب ألا تنتظر الخرطوم حتى تتحول إلى أزمة على حدودها.
فالسودان يحتاج الآن إلى دبلوماسية وقائية لا دبلوماسية رد الفعل.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد:
من يربح معركة كردفان؟
بل أصبح:
هل يستطيع السودان أن يخرج من الحرب وهو محتفظ بدولته، وسيادته، وحدوده، ومؤسساته، وقراره الوطني؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي.
فاستعادة الأرض مهمة، ولكن استعادة الدولة أهم.
ووقف الحرب ضرورة، ولكن منع إعادة إنتاجها ضرورة أكبر.
والسلام مطلوب، ولكن السلام الذي يحفظ السودان دولةً موحدةً ذات سيادة هو السلام الذي يستحق أن يعمل السودانيون والمجتمع الدولي من أجله.

المقالة السابقة

قراءة وتوصيف .. أمريكا الصديق الممكن .. أحمد الزبير محجوب

المقالة التالية

الحرب الأميركية–الإيرانية بين تمترس المواقف وانتخابات نوفمبر!؟ السفير د. معاوية البخاري

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *