المقدمة
منذ سقوط النظام السابق لم يعد الشأن السوداني شأناً سودانياً خالصاً. فبعد أن استطاعت قوى الحرية والتغيير أن تسرق الثورة وتُسوِّق نفسها ممثلاً وحيداً للشعب السوداني، وأن تستأثر بمواقف الجماهير وتستخدمها أداة ضغطٍ على العسكر، دخلت على الخط قوى إقليمية ودولية تتعامل مع السودان بوصفه إرثاً سياسياً لها. فهناك ما يُعرف بـ«الرباعية» (الولايات المتحدة، وبريطانيا، والإمارات والسعودية)، التي اعتقدت كل دولة فيها أن لها دوراً في إسقاط نظام الإنقاذ وبالتالي هي من يرثه، وهناك «الثلاثية» المكوّنة من بعثة الأمم المتحدة برئاسة فولكر، والاتحاد الأفريقي والإيغاد، التي تدّعي بدورها أنها المكلّفة بإدارة الشأن السوداني.
وهكذا غُيِّب الشعب السوداني تماماً بواسطة هذه القوى الإقليمية والدولية، واختيرت شراذم الحرية والتغيير لإنفاذ مطلوباتها في السودان. وحين سقط القناع عن الحرية والتغيير وتجرّدت من سلاحها الذي كانت تستخدمه للضغط على العسكر — وهو الشعب السوداني — بعد انفضاضه من حولها نتيجة فشلها الذريع بقيادة حمدوك، كانت النتيجة الطبيعية الإطاحة بها بقرارات 25 أكتوبر.
الاتفاق الإطاري.. والانقلاب البديل
مارست القوى الدولية والإقليمية التي تدّعي وراثة السودان ضغوطها على العسكر عبر ما سُمّي بـ«الاتفاق الإطاري»، لإعادة قوى الحرية والتغيير مرة أخرى إلى السلطة، وهو الأمر الذي وجد مقاومة قوية من القوى الوطنية بقيادة الكتلة الديمقراطية والتيار الإسلامي العريض بقيادة الطيب الجد (له الرحمة والمغفرة)، والتي نجحت في إفشال مشروع الإطاري.
فكان الترتيب لاستخدام حميدتي في قيادة الانقلاب، بعد أن رُتِّب له بضمانات نجاح بلغت 99%. وعندما بدأ الانقلاب، جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي مطالباً الجميع بعدم التدخل لأن الأمر «شأن داخلي»، ثقةً منه في نجاح الانقلاب. وبعد مضي أسبوع واتضاح فشله، تغيّرت الخطة إلى هزيمة الجيش السوداني، وذلك بتقديم دعمٍ غير محدود للدعم السريع وحصار السودان تماماً ومنع وصول حتى الذخائر إلى الجيش. ولذر الرماد في العيون، طُرح مقترح الحوار في منبر جدة بعد ثلاثة أسابيع من فشل الانقلاب في يوم 6 مايو 2023م.
هذه المقدمة ضرورية جداً لفهم ما يرمي إليه ما يُسمّى بـ«الحوار السوداني – السوداني»، وأنه أصبح الأداة البديلة لإنفاذ مطلوبات ومصالح القوى الإقليمية والدولية في السودان، بعد أن بدأ لها بصورة واضحة أن الدعم السريع لن يستطيع هزيمة الجيش السوداني.
اتفاق جدة وخارطة الطريق الأفريقية
في 11 مايو 2023م جرى التوقيع على اتفاق جدة، الذي أصبح المرجعية التي تتمسك بها الحكومة السودانية لحل الأزمة، وهو اتفاق وُقِّع مع ظنٍّ راجح بأن الدعم السريع سيهزم الجيش. وعندما استبان للقوى الإقليمية والدولية استحالة هزيمة الجيش، انعقد اجتماع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي على مستوى رؤساء الدول والحكومات في 27 مايو 2023م، واعتمد خارطة طريق لحل النزاع في السودان تضمّنت ست ركائز أساسية، وجاء المسار السياسي الداعي للحوار السوداني – السوداني كأحد أبرز هذه البنود:
1. تأسيس آلية تنسيق لضمان توحيد كافة الجهود الإقليمية والدولية.
2. الوقف الفوري والشامل للأعمال العدائية.
3. الاستجابة الإنسانية الفعالة لتداعيات النزاع.
4. حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
5. تفعيل دول الجوار في دعم جهود السلام.
6. استئناف عملية سياسية شاملة وتمثيلية يمتلكها ويقودها السودانيون بأنفسهم لمعالجة جذور الأزمة.
لا بد هنا من الانتباه إلى البندين الأول والسادس: فالبند الأول يتحدث عن آلية التنسيق ومنها جاءت «الرباعية» ثم «الخماسية»، والبند السادس يتحدث عن العملية السياسية التي يقودها السودانيون والتي تحوّلت إلى ما يُعرف بالحوار السوداني – السوداني. وهو ما يشير إلى أن التخطيط ووضع الخطط لإدارة السودان بدأ منذ زمنٍ مبكر. وللأسف، انساق السودانيون بلهاثٍ مخجل دون تفكير، وأصبح الفعل السوداني — وخاصة الرسمي — مجرد ردّة فعل لمطلوبات الذين يديرون السودان، من دون تفكيرٍ فيما نريد وماذا نفعل. وعندما يغيب عنك التخطيط، يخطط لك الآخرون.
الهدف الخفي للحوارات
كان الهدف واضحاً من هذه الحوارات: عدم السماح للجيش بالانتصار تحت دعاوى وقف الحرب، وإعادة قوى الحرية والتغيير إلى السلطة مرة أخرى من خلالها، لإنفاذ المشروع الخارجي.
ولتحقيق تلك الأهداف، قُصِر ما يُسمّى بالحوار على قوى محددة، أهم ملامحه: استبعاد الجيش والدعم السريع من المفاوضات، واستبعاد الإسلاميين بصورة مجملة تحت مظلة «إلا المؤتمر الوطني». ولا بد أن نفهم أن إبعاد الجيش والدعم السريع كان المقصود منه إبعاد الجيش تحديداً؛ لأن قوى الحرية والتغيير هي الجناح السياسي للدعم السريع، وهما من خطّطا معاً للانقلاب. فالمسألة الجوهرية أن الدعم السريع يُستخدم أصلاً لإعادة قوى الحرية والتغيير إلى السلطة.
أما القصد من حصر الحوار في الخارج، فهو أن أي حوار داخل مناطق سيطرة الجيش قد يمنح غطاءً شرعياً للسلطة العسكرية ويشرعن وجودها. ولتحقيق ذلك، أصبح التركيز على من يشارك في الحوار ومن يُدعى إليه.
وبسبب إبعاد الجيش عمداً، واجهت القوى الدولية والإقليمية معضلة إنفاذ ما يتم التوصل إليه خلال هذا الحوار؛ لذلك كان الحل في محاولة إعادة الطرفين العسكريين إلى التفاوض بعد توقف منبر جدة، ليتم تضمين الاتفاق بينهما شرطاً أساسياً ينص على قبول الترتيبات السياسية التي يتفق عليها المدنيون. ولإتمام ذلك، جرى التوافق بين أطراف الرباعية على أن تضغط مصر والسعودية على الجيش، وأن تضغط الإمارات على الدعم السريع، وأن تضغط أمريكا على الطرفين. وهذا يعني استخدام مصر والسعودية من خلال الرباعية للضغط على الجيش؛ لأن أمريكا والإمارات والدعم السريع على توافق تام، فالدعم السريع لا يحتاج إلى ضغطٍ وإنما يُؤمَر لينفّذ المطلوب.
وأُضيف إلى ذلك، لإجبار الجيش على الجلوس مع الدعم السريع: العقوبات الأمريكية والأوروبية على قادة الجيش، ورفع عصا المساءلة القانونية بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، والعزلة الدبلوماسية بتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، والسعي لعمل مثل ذلك في الأمم المتحدة — وهو ما اصطدم بالعقبة الروسية — وعدم الاعتراف بالحكومة والتعامل معها كأمرٍ واقع. وكانت الأداة الأساسية في إرغام الحكومة على إنفاذ المطلوبات استصدار قرار بموجب الفصل السابع من مجلس الأمن، وهو ما أُفشل كذلك بواسطة الموقف الروسي.
جولات الحوار.. استعراض المواقف
ننساق وراء كل ما أُعدَّ لنا من غير أن نفكر مرة واحدة: فيمَ نريد؟ وهل نحتاج فعلاً إلى حوار؟ وللإجابة على ذلك، نستعرض جولات الحوار لنلاحظ مواقف الأطراف، ثم نستنتج منها ماذا نريد:
– 22–25 يوليو 2023م: دعت مصر إلى اجتماع للحوار بين الكتل السياسية، ضمّ المجلس المركزي للحرية والتغيير والكتلة الديمقراطية وقوى التراضي الوطني وقوى الحراك الوطني. عقدت كل كتلة اجتماعها منفصلة، ولم يصدر عنها موقف موحد.
– 6 يوليو 2024م: دعت القاهرة إلى مؤتمر تحت شعار «معاً لوقف الحرب»، حضره «تقدم» برئاسة حمدوك، والكتلة الديمقراطية والحراك الوطني تحت لافتة تجمع الميثاق الوطني، وحضر كذلك مالك عقار. صدر بيان يدعو إلى وقف الحرب فوراً، لكن الكتلة الديمقراطية وحركة عقار وحركة العدل امتنعت عن التوقيع عليه.
– 10–15 يوليو 2024م: دعا الاتحاد الأفريقي والإيغاد إلى مؤتمر في أديس أبابا حضره نحو 20 مجموعة، منها الكتلة الديمقراطية والحراك الوطني والمؤتمر الشعبي، بينما قاطعت «تقدم» المؤتمر.
– 3–5 يونيو 2026م: دعت الخماسية إلى مؤتمر في أديس أبابا شملت الدعوة «صمود» والكتلة الديمقراطية و«البعث الأصل» والمؤتمر الشعبي وحزب الأمة ومنظمات مدنية. قاطعه جناح الميرغني وجبريل، ورفضت حركة عبد الواحد التوقيع على البيان الختامي.
– 27 يوليو 2026م: دعت الخماسية حزب الأمة والكتلة الديمقراطية وتنسيقية القوى الوطنية إلى مؤتمر في أديس أبابا، قاطعته «صمود» ، و«تأسيس» ، والمؤتمر الشعبي وقوى إعلان المبادئ.
– 16–18 ديسمبر 2025م: جرت مشاورات لعقد مؤتمر للحوار في جيبوتي، بتنظيم من الاتحاد الأفريقي والإيغاد، ومساندة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، بهدف تشكيل لجنة تحضيرية للحوار. قبل تحالف «صمود» المشاركة لكنه اشترط عدم مشاركة المؤتمر الوطني، وقبل الحزب الشيوعي الدعوة واشترط لقاءات منفردة مع الوسطاء، وطلب تحالف «تأسيس» تأجيل الاجتماع، بينما رفضت الكتلة الديمقراطية والقوى المتحالفة مع الجيش رفضاً قاطعاً الجلوس مع «تأسيس». فتأجل المؤتمر بسبب الخلاف على قائمة المشاركين، وتحديداً مشاركة «تأسيس» أو الدعم السريع.
المعادلة الصفرية
مما سبق يتضح أن كل طرف يملك حق نقضٍ فعلياً على من يشارك: الكتلة الديمقراطية تعطّل أي حوار تُدعى إليه «تأسيس»، و«صمود» تعطّل أي حوار يشارك فيه الإسلاميون. وهذه سمة كل الحوارات التي عُقدت: فالمعادلة بين الأطراف معادلة صفرية، ويطرح كل طرف شرطاً يقصي به خصمه؛ فالقوى المؤيدة للجيش ترفض «تقدم» و«صمود» و«تأسيس»، والقوى الأخرى ترفض مشاركة الإسلاميين والمؤتمر الوطني، ولذلك انتهت كل الجولات دون توافق.
وفي تقديري، فإن القوى التي ترعى الوساطة تهدف إلى الضغط على داعمي الجيش بإعادة «صمود» إلى الحكم؛ لأنهم لو أرادوا التوافق حقاً لأمروا «صمود» بقبول ما يُطرح، فهم من يملكون قرارها.
ولعل مما ذُكر آنفاً نصل إلى الإجابة على السؤال الذي بدأنا به هذه الفقرة: هل نحتاج فعلاً إلى حوار؟
أين موقع الحكومة من هذا المخطط؟
وقبل أن نحدد ماذا نريد، نجد للأسف أن الفريق البرهان ومستشاريه، لغياب الرؤية والتخطيط، قد انساقوا وراء ما خُطِّط لهم؛ لأنهم لا يملكون خطة ولا يعرفون ماذا يريدون. فساروا على النهج ذاته في محاولة لإرضاء الخارج: فكانت الدعوة للحوار دون إقصاء أحد إلا المؤتمر الوطني، ثم إلغاء أو تجميد البلاغات في مواجهة منسوبي «صمود»، وانتهاءً بلجنة قاسم بدري — وكل ذلك لم يجد قبولاً عند «صمود» ولا عند داعميها.
ماذا نريد؟ تحديد المشكلة أولاً
ولكي نحدد ماذا نريد، لا بد أن نحدد المشكلة، ومشكلتنا تتحدد في ثلاث ركائز:
الركيزة الأولى: أصبح الشأن السوداني يُدار بواسطة القوى الإقليمية والدولية باعتبار أن لهم حقاً مكتسباً في إدارة السودان لأنهم ساهموا في إسقاط نظام البشير. وقد رسّخت «قحت» هذه الفرضية في أذهان القوى الدولية والإقليمية بانصياعها الكامل لهم، حتى تمت الإطاحة بها في قرارات 25 أكتوبر. وللأسف، لم يحاول البرهان الخروج من هذا الدوار البحري وحاول استرضاءهم بكافة السبل، فكانت النتيجة عدم منحه التأشيرة لمخاطبة الجمعية العامة.
الركيزة الثانية: مشكلة الدعم السريع وضرورة هزيمته عسكرياً وطرده تماماً من السودان. وهذه الركيزة التي التفّ فيها الشعب السوداني حول جيشه، وحقق فيها الجيش انتصارات مبهرة، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من هزيمة الدعم السريع. ولكن للأسف لم تُستغل هذه الركيزة بالصورة المطلوبة، وهذا ما يقودنا إلى الركيزة الثالثة.
الركيزة الثالثة: إنشاء حاضنة سياسية تتكون من داعمي معركة الكرامة، هي التي تتولى وضع الخطط والبرامج. فالمطلوب ليس حواراً وطنياً يجمع الأضداد — وهذا مستحيل لما اتضح من المعادلة الصفرية بين القوى السياسية — وإنما المطلوب تنظيم داعمي معركة الكرامة سياسياً، ليكونوا هم من يضعون الخطط: فيقوم المختصون في الاقتصاد بالجامعات بوضع الخطط الاقتصادية مع الاستعانة بأصحاب الخبرات، ويضع المختصون في العلاقات الخارجية والقانون الدولي السياسة الخارجية للسودان بالاستعانة كذلك بأصحاب الخبرات، ويتولى القانونيون والمختصون في القانون الدستوري وضع مسودة للدستور يُجرى عليها الاستفتاء، وهكذا في كافة المجالات: كيف يُدار السودان؟ وكيف يُحكم السودان؟ ثم تُعرض كل هذه الخطط على مجلس شورى الحاضنة السياسية (حزب الكرامة) لإجازتها.
الخاتمة
بهذا وحده نستطيع إعادة بناء السودان كما نريد، بعيداً عن الوصاية والتدخلات الخارجية. فالسؤال لم يعد يوماً عمّا يخططه الآخرون لنا، بل عمّا نريده نحن لأنفسنا. وإذا لم نبادر ونخطط بأيدينا، فسوف يخطط لنا الآخرون كما فعلوا دوماً. الطريق واضح: هزيمة الدعم السريع عسكرياً، وبناء الحاضنة السياسية لمعركة الكرامة( حزب الكرامة) ، واستعادة القرار الوطني من أيدي الرباعية والثلاثية وكل من يدّعي وراثة السودان. وبذلك نخرج من عباءة القوى الدولية والإقليمية، بعد أن نقذف بأحجارها — المتمثلة في الدعم السريع و«صمود» — في مزبلة التاريخ.


