في عالم السياسة لا تُدار المعارك في العلن فقط، بل يُطبخ كثير منها خلف الأبواب المغلقة، و تُحسم في الغرف المعتمة بتوازنات دقيقة و تسويات متغيرة. و السودان اليوم يُجسّد هذا الواقع المركّب بأوضح صوره. فمنذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، نتيجة لانقلاب مليشيا الدعم السريع على المسار الانتقالي، و الساحة السودانية تمور بتفاعلات إقليمية و دولية تختلط فيها الحسابات العسكرية بالأجندات السياسية و الاقتصادية، في ظل انسدادٍ في الأفق أوشك أن يبلغ مرحلة التكلّس.
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الجديد ،ماركو روبيو، التي نقلتها وكالات أنباء، باعتبار السودان أولوية دبلوماسية للمرحلة المقبلة، تعكس إدراكًا أمريكيًا متأخرًا لخطورة النزاع السوداني على الأمن الإقليمي. لكن اللافت في التصريحات تعيين (مسعد بولس) – صاحب الخلفية الاقتصادية و المعرفة العميقة بالأوساط الأفريقية – مسؤولًا عن ملف السودان، في دلالة على توجه أمريكي يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى مقاربة متعددة الأبعاد تشمل إعادة الإعمار و الهيكلة الاقتصادية، و ربما الاستثمار في ترتيبات ما بعد الحرب.
هذا التحرك الأمريكي، المتزامن مع نجاح وساطتها في ملف رواندا و الكونغو الديمقراطية، يشير إلى رغبة واشنطن في استعادة دورها كفاعل مؤثر في النزاعات الأفريقية، خاصةً بعد تراجع أدوار بعض الأطراف الإقليمية، كمصر الحائرة بين الضغوط الإماراتية و حرصها على وحدة السودان، و إثيوبيا الساعية لحشد دعم لمواقفها في مفاوضات سد النهضة و منظمة حوض النيل إلى جانب تراجع فعالية الاتحاد الأفريقي والإيقاد.
أما الحضور القطري إلى جانب واشنطن في ملفي رواندا و الكونغو، و سبقه في ملف سلام دارفور، فقد عزّز الثقة الإقليمية في قدرته على توفير مظلة تفاوضية مقبولة. السودانيون لا ينسون الوساطة القطرية التي أرست سوابق تفاوضية مهمة يمكن البناء عليها. لذا فإن إعادة تفعيل الدور القطري ضمن مقاربة أمريكية أوسع قد يفتح نافذة لسلام أكثر شمولًا في السودان.
في الداخل، تعكس المشاورات المستمرة حول تشكيل ما يُعرف بـ”حكومة الأمل” برئاسة الدكتور كامل إدريس عمق الانقسامات داخل معسكر السلطة، وسط تنافس واضح بين الجيش و الحركات المسلحة الطامعة في السلطة. الجيش يشدد على ضرورة تعيين كفاءات مستقلة، بينما تسعى تلك الحركات – التي كانت في السابق رمزًا للمقاومة – إلى تعزيز نفوذها، خاصة بعد وقوفها إلى جانب الجيش خلال الحرب.
لكن هذه الحركات تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في الشرعية المجتمعية، إذ بات المزاج العام ينظر إلى بعضها بوصفه جزءً من الأزمة لا الحل، نتيجة لغياب الرؤية السياسية وغياب الوجوه الجديدة القادرة على إقناع الشارع بقدرتها على قيادة الدولة في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.
اللافت في المشهد السوداني أن التيار الإسلامي، رغم استعادته بعضًا من نفوذه السياسي و الاجتماعي بانحيازه إلى الجيش و مشاركته الفاعلة في تنسيق و دعم ما يُعرف بـ”المقاومة الشعبية” – التي ساهمت بوضوح في تغيير معادلات الحرب لصالح القوات المسلحة – إلا أنه بدا سياسيًا خارج حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
فالحركة الإسلامية السودانية، التي شكّلت لعقود أحد أركان الحكم، اختارت في هذه المرحلة التموضع في موقع “الداعم من الخلف”، مكتفيةً ببيان مقتضب أصدره أمينها العام علي كرتي، يبارك تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء، دون أن تطرح مطالب أو شروطًا سياسية. و قد فُسّر هذا الموقف بأنه نوع من البراغماتية الحذرة، و ربما وفاء لتصريحات سابقة ربطت فيها مشاركتها بتفويض شعبي.
هذا الغياب يضع التيار الإسلامي أمام تحدٍ كبير: كيف يحافظ على زخمه الشعبي دون أن يتحول إلى قوة مُعطِّلة؟ و كيف يعيد تعريف دوره في مرحلة ما بعد الحرب في ظل التوازنات الدولية الجديدة؟
و في هذا السياق، أعاد تسريب اسم السفير (نور الدين ساتي) كمرشح محتمل لوزارة الخارجية فتح جدلٍ جديد، يعكس التوتر القائم بين الرؤية المدنية و مراكز النفوذ التقليدية. و على الرغم من نفي مجلس الوزراء رسميًا، فإن المؤشرات تُرجّح أن ساتي لا يزال مطروحًا، نظرًا لخلفيته الدبلوماسية وصلاته بما يُعرف بـ”صفقات الغرف المعتمة” ، إلا أن ترشيحه أثار جدلًا حادًا بين من يراه دبلوماسيًا كفؤًا، و من يعتبره شخصية متقلبة خدمت أنظمة سياسية متباينة ليعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل المعيار هو الكفاءة أم الولاء السياسي؟
إن عودة طرح حكومة كفاءات بقيادة كامل إدريس تعكس رغبة داخلية و خارجية في تجاوز تجربة المحاصصة الحزبية، لكنها تثير في الوقت نفسه جدلًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الاستقلالية و الكفاءة، في ظل ضغوط الحركات المسلحة للحفاظ على مكاسب اتفاق جوبا، و مطالب قوى أخرى بإعادة النظر فيه، بعد تغير موازين القوى و ظهور مطالب جديدة بتمثيل أطراف من الوسط و الشمال و الشرق.
و في خضم كل ذلك، يبقى احتمال عقد صفقات تُفضي إلى تعيين شخصيات مثيرة للجدل واردًا ما قد يعيد إنتاج التوترات من جديد.
و بحسب ما نراه من وجه الحقيقة، فإن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق؛ فالوساطة الأمريكية-القطرية المحتملة تمثل فرصة لتسوية مُرضية، لكنها لن تُكتب لها النجاح ما لم تسبقها ترتيبات داخلية شفافة و واقعية تقوم على اعتماد معايير موضوعية لاختيار القيادات، بعيدًا عن الحسابات الأيديولوجية و المصالح الضيقة، مع إرساء مسار جاد للعدالة الانتقالية يضمن الإنصاف، و يعزز الثقة و يستعيد حقوق المواطنين.
فالحرب لا تُحسم بالبيانات، بل بالتوازنات و الصفقات، و إن لم تُدَر بوعي سياسي و مسؤولية وطنية، فإنها ستفتح الباب لمزيد من التدخلات الخارجية و الانقسامات الداخلية التي تهدد بقاء الدولة.
دمتم بخير و عافية.
الإثنين 30 مايو 2025م
Shglawi55@gmail.com


