مقدمة
أثار القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان ضمن الكيانات الإرهابية جدلًا سياسيًا واسعًا داخل السودان وخارجه، ليس فقط بسبب طبيعته القانونية، وإنما بسبب توقيته وسياقه السياسي في ظل الحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل 2023.
فالقرارات من هذا النوع نادرًا ما تكون مجرد إجراءات قانونية، بل تأتي غالبًا ضمن سياقات سياسية واستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية والإقليمية.
ومن أجل فهم هذا القرار بصورة أعمق، لا بد من قراءة العلاقات التاريخية المعقدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والحركات الإسلامية في المنطقة، وكذلك تحليل السياق السياسي والعسكري الراهن في السودان.
أولًا: الولايات المتحدة والحركات الإسلامية في سياق الحرب الباردة
لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية علاقة عداء مطلق عبر التاريخ، بل اتسمت بدرجات مختلفة من التعاون والتوظيف السياسي في مراحل معينة، خاصة خلال الحرب الباردة.
فخلال تلك المرحلة دعمت الولايات المتحدة العديد من الحركات الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية باعتبارها قوة اجتماعية قادرة على مواجهة المد الشيوعي السوفيتي. وقد جاء هذا الدعم في إطار استراتيجية احتواء النفوذ السوفيتي في مناطق النفوذ الحيوية، خصوصًا في الشرق الأوسط والبحر الأحمر.
وكانت واشنطن تنظر إلى الحركات الإسلامية في تلك المرحلة باعتبارها حليفًا موضوعيًا في مواجهة الأنظمة اليسارية والحركات الشيوعية التي كانت تتوسع في المنطقة.
ثانيًا: تجربة الجهاد الأفغاني وتعاون الاستخبارات الدولية
بلغ هذا التعاون ذروته خلال الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين دعمت الولايات المتحدة المجاهدين الأفغان في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
وقد جرى هذا الدعم عبر تنسيق واسع بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI)، حيث تم تقديم التدريب والسلاح والدعم اللوجستي للمقاتلين الذين شاركوا في الحرب ضد القوات السوفيتية.
وقد شكلت تلك التجربة نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف الحركات الإسلامية في الصراعات الجيوسياسية الكبرى خلال تلك المرحلة.
ثالثًا: العلاقات الأمريكية مع نظام الرئيس عمر البشير
شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة ونظام الرئيس السوداني السابق
عمر حسن أحمد البشير
مراحل متعددة من التوتر والتعاون.
ففي مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تطور تعاون أمني بين الخرطوم وواشنطن في مجال مكافحة الإرهاب، حيث لعب جهاز الأمن والمخابرات السوداني دورًا في تبادل المعلومات الأمنية مع الولايات المتحدة.
وكان مدير الجهاز آنذاك
صلاح عبد الله قوش
أحد أبرز الشخصيات التي أدارت قنوات الاتصال الأمني مع واشنطن في تلك المرحلة، في إطار ما عرف بالتعاون الاستخباراتي في مكافحة الإرهاب.
رابعًا: الدور الأمريكي في اتفاقية السلام الشامل وانفصال جنوب السودان
لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في رعاية
اتفاقية السلام الشامل 2005
التي أنهت الحرب الأهلية الطويلة بين الشمال والجنوب.
وقد قادت هذه الاتفاقية في نهاية المطاف إلى إجراء استفتاء تقرير المصير الذي أفضى إلى قيام دولة
جنوب السودان
عام 2011، وهو حدث شكّل تحولًا استراتيجيًا في بنية الدولة السودانية وموازين القوى في المنطقة.
خامسًا: التحولات الإقليمية والتحالفات الجديدة
في عام 2015 شارك السودان في التحالف العربي بقيادة
المملكة العربية السعودية
في الحرب في اليمن ضمن عملية
عملية عاصفة الحزم
وذلك بعد سيطرة جماعة
الحوثيون
على العاصمة اليمنية
صنعاء.
وفي تلك المرحلة اتخذت الخرطوم خطوة استراتيجية بقطع علاقاتها مع
إيران
والاقتراب من محور الخليج، خصوصًا
الإمارات العربية المتحدة.
وقد اعتُبر هذا التحول محاولة لإعادة تموضع السودان إقليميًا وتحسين علاقاته مع الغرب.
سادسًا: مرحلة ما بعد سقوط نظام البشير
أدى سقوط نظام البشير عام 2019 إلى بروز مرحلة سياسية انتقالية شهدت صراعًا حادًا بين القوى المدنية والعسكرية.
وتشكلت حكومة انتقالية برئاسة
عبد الله حمدوك
بدعم دولي واسع، وبدأت في تنفيذ سياسات إصلاحية تضمنت إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ومحاولات تفكيك بنية النظام السابق.
وفي هذا السياق برزت
لجنة إزالة التمكين
التي تولت تفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة.
سابعًا: الحرب السودانية وتغير ميزان القوى
اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات
قوات الدعم السريع
بقيادة
محمد حمدان دقلو.
وقد أدت هذه الحرب إلى انهيار واسع في بنية الدولة وانتشار العنف المسلح في عدة ولايات، بما في ذلك العاصمة
الخرطوم
وولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض.
كما اتهمت أطراف عديدة قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة، بما في ذلك القتل الجماعي والاعتقال التعسفي والانتهاكات ضد المدنيين.
ثامنًا: المفارقة في التصنيف الأمريكي
يثير قرار تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تساؤلات عديدة في ظل استمرار الحرب.
فبينما تواجه البلاد أزمة إنسانية وأمنية غير مسبوقة، يرى بعض المراقبين أن هذا القرار قد يُستخدم كأداة ضغط سياسي لإعادة تشكيل التحالفات داخل السودان، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة بين الجيش والقوى الاجتماعية والسياسية التي تقاتل إلى جانبه.
كما أن الترحيب بالقرار من بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها
الإمارات العربية المتحدة
ومن قيادة
قوات الدعم السريع
زاد من الجدل حول الأبعاد السياسية الكامنة خلف هذا التصنيف.
خاتمة
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن قرار تصنيف الحركة الإسلامية في السودان لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع في المنطقة.
فالقرار يتجاوز كونه إجراءً قانونيًا ليصبح جزءًا من معادلة سياسية معقدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي في السودان.
ومن المرجح أن تتضح الآثار الحقيقية لهذا القرار في المرحلة القادمة، خاصة فيما يتعلق بتوازن القوى داخل المعسكرات السياسية والعسكرية في البلاد، ومستقبل التسوية السياسية للحرب السودانية.
سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (10) .. العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية في السودان .. السياق التاريخي والأبعاد السياسية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي
المقالة السابقة

