الأوطان لا تُبنى بالشعارات التي تُخفي العيوب، بل بالشجاعة التي تُبصر الجمال وسط التشققات.
في لحظةٍ ما، أصبح السوداني يبحث عن نسخةٍ مثالية من نفسه، نسخة بلا تناقضات، بلا غضب، بلا انكسارات بلا أخطاء.
لكن المشكلة أن الشعوب — مثل البشر — لا تُولد كاملة، ولا تنضج دفعةً واحدة، ولا تتعافى عبر التجميل المؤقت.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بالسودانيين اليوم، ليس نقدهم، بل تلميعهم بطريقةٍ تُخفي حقيقتهم. لأن التجميل الزائف يصنع كائنًا هشًّا، بينما الترميم الحقيقي يصنع شعبًا يعرف نفسه ويتصالح معها.
السوداني ليس ملاكًا، لكنه أيضًا ليس مشروع فشل دائم.
في داخله تناقضات مدهشة: كرمٌ يصل حد الفداء… وفوضى تصل حد الإنهاك.
بساطة تُلهمك… وعشوائية تُرهقك.
عاطفة وطنية هائلة… لكن مع قابلية عالية للاستقطاب، والانفعال والتشظي.
وهنا تحديدًا يبدأ أصل القضية.
لسنا بحاجة إلى “إعادة اختراع السوداني” ، بل إلى “إعادة فهمه”.
فالدول الذكية لا تبني شعوبها عبر إنكار عيوبها، وإنما عبر إدارة تلك العيوب وتحويلها إلى طاقة قابلة للتوجيه.
ولهذا فإن فن ترميم السودانيين لا يقوم على إخفاء الشروخ، بل على فهم أسبابها.
لا يقوم على صناعة صورةٍ ناصعة، بل على بناء إنسان قادر على الاعتراف بنقصه دون أن يفقد انتماءه.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
لماذا أصبح كثير من السودانيين يشعرون اليوم بأن “السودان ما بقى زي زمان”؟
الحقيقة أن العبارة ليست مجرد حنين عاطفي، إنها تعبير عن فقدان شيءٍ أعمق: فقدان “القدوة الجمعية”.
زمان…كان السوداني يرى نماذج تشبهه لكنها ترفعه: المعلم، الحكيم، الفنان، الضابط، الشيخ، الأم، الجار، الرياضي الموظف الشريف لم يكونوا مثاليين، لكنهم كانوا يمنحون المجتمع “حدّه الأدنى من التوازن الأخلاقي”.
أما اليوم، فقد انهارت كثير من النماذج، لا بسبب الحرب فقط، بل بسبب ثقافةٍ جديدة بدأت تُكافئ الضجيج أكثر من القيمة، والمشهد أكثر من الجوهر والانتماء الضيق أكثر من السودان نفسه.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية:
حين يفقد المجتمع القدوة، يبدأ في ترميم نفسه عبر السخرية لا عبر البناء، ويتحول النقد إلى جلدٍ جماعي، وتتحول الوطنية إلى حالة دفاعٍ عصبي بدل أن تكون مشروعًا حضاريًا جامعًا.
لكن رغم ذلك…
لا يزال هناك “قدر كافٍ” يجمع السودانيين ليس قليلًا حتى نيأس، وليس كثيرًا حتى نطمئن.
إنه ذلك الخيط الخفي الذي يظهر وقت الكوارث، وفي لحظات النزوح، وعند الشدائد، وفي (التكايا) ، وفي تلقائية النجدة وفي الدموع التي تسبق السؤال عن القبيلة، والحزب والجهة.
ذلك الخيط هو السودان الحقيقي.
ولهذا فإن التحدي القادم ليس فقط إيقاف الحرب، بل إعادة اكتشاف “المعنى المشترك” للسودانيين.
أن نفهم بعضنا لا لكي نتعايش اضطرارًا، بل لكي نقترب إنسانيًا.
أن نقبل ما لا يمكن تغييره فورًا مع الاستمرار في إصلاح ما يمكن إصلاحه.
أن نبحث عن “الفعل الأجمل” داخل السوداني، لا عن الصورة الأكثر مثالية عنه.
فالأوطان لا تعيش بالكمال، بل بالحد الأدنى من المعنى المشترك. وربما هنا تحديدًا تكمن عبقرية السودان.
هذا البلد لم يبقَ موحدًا لأنه بلا مشاكل، بل لأنه يمتلك قدرة غامضة على النجاة رغم كل شيء.
قد يختلف السودانيون حول السياسة، والقبيلة، والجهة وحتى حول التاريخ… لكنهم في لحظة الخطر يعودون دائمًا إلى شيءٍ أعمق من الخلافات: إلى الإحساس بأن هذا البلد يشبههم… وأنهم يشبهونه.
ولهذا فإن مشروع المرحلة القادمة يجب ألا يكون صناعة “السوداني المثالي” ، بل صناعة “السوداني القادر على حمل السودان”.
سوداني يرى العيوب لكنه لا يحتقر نفسه.
يعترف بالأزمة لكنه لا يتحول إلى كارهٍ لوطنه.
يختلف دون أن يتجرد من إنسانيته.
ويبحث عن القدوة قبل أن يطالب الآخرين بها.
لأن الأمم التي تنجو ليست الأمم الكاملة، بل الأمم التي تعرف كيف ترمم روحها قبل أن تعيد بناء جدرانها.
وفي السودان…
ربما تأخرنا كثيرًا في ترميم الحجر، لكن الأخطر فعلًا أن نتأخر أكثر في ترميم الإنسان السوداني.
وهنا بالضبط أصل القضية.


