⚫ إن حربنا مع الآخر في جوهرها هي حرب قِيَم تُجسِّدها الرواية The Narative التي تصنعها مصطلحات ثم تخدمها آليات وتطبقها أدوات وبرامج، ومن المستحيل أن لا نخسر هذه الحرب طالما أننا قررنا سلفاً التنازل عن قِيَمنا وتبنِّي قِيَم الآخر ونسعى لمنافسته على ذات روايته باستخدام ما اجترحه من مصطلحاتٍ تناسبها ثم نلهث في استلهام آلياته واكتساب أدواته وبرامجه … دون أدنى مسعىً لاستعادة قِيَمنا أو صناعة روايتنا أو تطوير آلياتنا وأدواتنا وبرامجنا التي تناسبنا.
⚫ فقط في عام ١٩٦٨م ومن خلال كتاب الهوية: الشباب والأزمة Idintity: Youth & Crisis للكاتب الأمريكي إريك إيريكسون Erik Erikson برز من خلاله مصطلح الهوية في الأدبيات السياسية الأمريكية، ومؤخراً تناوله صمويل هنتغتون عام ٢٠٠٤م في كتابه الهوية الأمريكية، ومن بعده فرانسيس فوكوياما عام ٢٠١٨م في كتابه نهاية الهوية، ولا عجب أن يبرز مثل هذا المصطلح في الولايات المتحدة ذات الديمغرافيا الطارئة على الجغرافيا بكلما فيها من تاريخٍ وحاضرٍ مضطرب الثقافة والقِيَم والقوميات والتي لم يزدها تطاول الزمن إلا مزيداً من الاضطراب، ولكن العجيب هو انتقال هذا الدَّاء والمصطلح إلى بلادنا التي لا تُشبه الولايات المتحدة في شئ من أسباب ذلك سوى أن أنصاف المتعلمين الذين استولدهم الاستعمار ومن بعدهم الذين نهلوا منهم جهلهم حتى فرضوا على هذه البلاد منذ استقلالها أن تتبنى كل قيم ورواية ومصطلحات أسيادهم المستعمرين، ولازال الجدل العقيم حول الهوية فاشياً بيننا إلى يوم الناس هذا.
⚫ الهوية فلسفياً هي ما يجعل الشخص ما هو عليه فيميزه عن الآخر، ومن ذلك شعوره بذاته ووعيه بالوجود، والهوية اجتماعياً هي مجموعة الصفات والخصائص البيلوجية والثقافية بما تحويه من لغة ودين وتقاليد والتي تميز جماعةً عن غيرها، وأما الهوية الوطنية -والتي هي محور النقاش والاختلاف- فهي أشمل من الهوية الاجتماعية لأنها مجموعة الصفات والخصائص التي تشمل الجنسية والقيم المشتركة والثقافة (بما تشمله من دين ولغة) والتاريخ المشترك، وغنيٌّ عن القول بأنه لا تخلو دولةٌ على امتداد التاريخ من بعض التباينات بين أفرادها أو مجتمعاتها في هذه الخصائص والصفات دون أن يكون ذلك مُعضلةً تتطلب نقاشها والحوار حولها لسبعين سنة!! ، ولا سيما إذا ما كانت حقوق المواطنة مكفولةٌ للجميع، وكان من المستحيل إيجاد دولةٍ يتطابق جميع سكانها في الصفات والخصائص، وليس عاقلٌ يمكنه اجتراح هكذا دولة، ولم يفكر في صناعة هكذا كيان إلا الصهاينة الذين تتحطم أكاذيبهم كل يومٍ في محاولتهم اجتراح الشعب الإسرائيلي لكيانهم الذي سيزول قبل أن يستقر.
⚫ لطالما كانت بلادنا أرضاً للهجرة، فقد تأكَّد جينياً وعِلمياً أنها كانت مَهْد الإنسانية التي انطلقت منها إلى قارات العالم المختلفة، وإليها عادت مجتمعاتٌ سكانيةٌ أخرى، ولئن كان سقوط الأندلس ١٤٩٢م قد حمل بعده خلال أربعة قرونٍ آخر الهجرات السكانية الكبيرة للسودان، فإن طريق الحج كان ولا يزال يشكِّل مورداً دائماً يرفد السودان بالسُّكان، وقد أثبتت العلوم الجينية بما لم يدع مجالاً للدَّحض بأن النقاء العرقي يستحيل أن يتحقَّق في شخصٍ واحدٍ على كوكب الأرض .. ناهيك عن أن يتحقَّق في مجتمعٍ أو في قبيلةٍ أو في بلد، وحقوق المواطنة يُقرُّها الدستور (العقد الاجتماعي) وهي لم تكن قطُّ موضع خلافٍ في نصوصها، وإنما دائماً تكون الاتهامات في جوهر الممارسة، وهذا تحدٍّ تحسِمُه آليات الحكم والقضاء -كما في كل العالم- ولا تُجدي فيه نقاشات السياسيين … وبعد .. فإن هذه الجدليَّات حول الهوية كانت هي البذرة التي فَقَدنا بسببها ثُلُث السودانيين ، وإن استمرَّت جدليات أنصاف المتعلمين حولها فلسوف تعصف بما تبقى من السودان وأهله.
⚫ إن أنصاف المتعلمين أدعياء الثقافة في السودان الذين يُثيرون مسألة الهوية في السودان ويشخصونها كأزمةٍ مُزمنة، وأنها معضلة السودان الأساسية .. ينطلقون في جوهر دعواهم هذه من منطلقات عرقيةٍ أو قبيليةٍ في صميمها -هذا إذا استثنينا العمالة- ، وهم في غالبيتهم أو غالبية أساتذتهم -وبالإضافة إلى جهلهم الذي زادتهم الشهادات ثِقةً به- ضحايا لممارساتٍ عنصريةٍ وقعت لهم في مهاجرهم أو أثناء دراستهم أو اغترابهم، فنقلوا لبلادنا أسوأ ما كابدوه ظنَّاً منهم أن ذلك يُبَلْسِم غَوْر جراح كرامتهم ، ولو أنهم تمعَّنوا الدَّرس للحياة الاجتماعية بين السودانيين على امتداد تاريخنا المجتمعي الطويل وترابطه، وما صاحب ذلك من تصاهُرٍ تباينت أشكاله وتعقيداته، وتفكَّروا فيما انطوى عليه التاريخ العسكري المُسلَّح في السودان من تصاهرٍ طوعي أو قسري .. مما قبل التركية وحتى حرب الكرامة الجارية .. لعلموا أن دماء السودانين كانت دائماً ممزوجةً ببعضها في المصاهرة والفداء، ولعلموا أن كل الخير في تركيز الناس على بناء عَقْدِهم الاجتماعي الذي يحفظ الحقوق، والتواثق على صيانته بدلاً عن الانحراف من عظائم الأمور إلى بُنيَّات الطريق، ولعلموا أن السودان يحتاج إلى أضعاف سُكانه الحاليين لينهض ويتطور ويكون ذا شوكة ، ولا ننسى أننا أمةٌ قليلة العدَد وعظيمة الموارد والمدَد ونعيش بين بلدين تضيق مواردهما عن حاجة سُكَّانهما.
⚫ إن السودان الذي نرجوه ليس مجرد جغرافيا غنيَّة تقطنها مجموعات سُكانية يُراد لها أن تتطابق كما الدراهم، وإنما هو سودان يسمو بقيَمه على كل ذلك في لحظةٍ فارقةٍ تنقدح فيه شرارة وعيٍ وطنيٍّ يؤمن بأن الإنسان هو الذروة القصوى لثروة هذه الجغرافيا .. من التَّهيُّوء الحثيث لكل التحدِّيات التي ما انفكَّت تُقعِد هذا الإنسان عن الحياة الكريمة على أرضه ، من حقيقة أن وِحدة أهل هذه الأرض -بكل تنوُّعهم- على قِيَمٍ يرتضونها جميعها ويتواثقون عليها .. هي المنجى الوحيد لهم ولأولادهم من بعدهم .. من القناعة الخالصة بأن كل مهجرٍ دون بلادهم سيبقى جُرحاً وظُلماً يورثونه لأحفادهم ، من اليقين بأن جُزءاً مِنَّا يموت كلما تفقِد هذه الأرض قتيلاً أو مُهاجراً، وكما قال همنجواي: لا تسأل لمن تُقْرَع الأجراس .. فإنها تُقْرَع عليك.
إِذا اِحتَرَبَت يَوماً فَفاضَت دِماؤُها
تَذَكَّرَتِ القُربى فَفاضَت دُموعُها
شَواجِرُ أَرماحٍ تُقَطِّعُ بَينَهُم
شَواجِرَ أَرحامٍ مَلومٍ قُطوعُها
🇸🇩 *تبارك عيدكم* 🇸🇩


