لم تعد الهوية الرقمية مجرد وسيلة لتسهيل المعاملات الحكومية أو تطوير الخدمات العامة، بل أصبحت إحدى ركائز السيادة الوطنية ومكونات الأمن القومي للدول. وفي السودان، جاء إطلاق مشروع الهوية الرقمية “سوداباس” ليطرح تساؤلات تتجاوز الجوانب التقنية والإدارية إلى قضايا أكثر عمقاً تتعلق بحماية البيانات الوطنية، والسيادة الرقمية والأمن السيبراني في ظل ظروف الحرب وعدم الاستقرار.
الدراسة التي أصدرها مركز الدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات تحت عنوان “السيادة الرقمية في بيئة الحروب .. تقييم المخاطر السيبرانية والاستراتيجية لمشروع الهوية الرقمية (سوداباس) في السودان” تفتح باباً مهماً للنقاش حول مستقبل التحول الرقمي في البلاد، وتدعو إلى النظر إلى المشروع من منظور استراتيجي لا يقتصر على فوائده المحتملة، بل يمتد إلى المخاطر التي قد تترتب على تنفيذه في بيئة معقدة كالتي يعيشها السودان اليوم.
من الهوية التقليدية إلى السيادة الرقمية
على مدى عقود كانت السيادة الوطنية تقاس بقدرة الدولة على حماية حدودها الجغرافية ومؤسساتها السياسية والعسكرية، إلا أن الثورة الرقمية أوجدت شكلاً جديداً من السيادة يتمثل في السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية. فالدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على بيانات مواطنيها أو على الأنظمة التي تدير تلك البيانات تصبح عرضة لأشكال جديدة من الاختراق والتأثير الخارجي.
ومن هذا المنطلق، تنبه الدراسة إلى أن قواعد بيانات الهوية الرقمية لم تعد مجرد سجلات مدنية، بل تحولت إلى أصول استراتيجية تحتوي على معلومات شخصية وبيومترية وسكانية واقتصادية يمكن أن تستخدم في التخطيط الأمني والعسكري والاقتصادي. ولذلك فإن أي خلل في حمايتها قد ينعكس مباشرة على الأمن القومي للدولة.
الحرب تغير طبيعة المخاطر
ربما كان إطلاق مشروع الهوية الرقمية في ظروف مستقرة أمراً طبيعياً ومنسجماً مع اتجاهات التحول الرقمي العالمية، لكن خصوصية الحالة السودانية تكمن في أن المشروع يُطرح في ظل حرب ما زالت تلقي بظلالها على مؤسسات الدولة والبنية التحتية للاتصالات، والكهرباء والخدمات.
وفي مثل هذه الظروف، تتضاعف أهمية التساؤلات المتعلقة بمكان استضافة البيانات، وآليات حمايتها، والجهات التي تمتلك حق الوصول إليها، وكيفية ضمان استمرار الخدمات في حال تعرض الشبكات أو مراكز البيانات للاستهداف أو الانقطاع.
وتشير الدراسة إلى أن أحد أكبر المخاطر يتمثل في مركزية البيانات، حيث يؤدي جمع ملايين السجلات الشخصية والبيومترية في قاعدة موحدة إلى خلق هدف استراتيجي مغرٍ لأي جهة معادية أو مجموعة إجرامية تسعى إلى اختراق النظام أو الحصول على البيانات الحساسة.
البيانات البيومترية.. الخطر الذي لا يمكن إصلاحه
من أخطر النقاط التي أثارتها الدراسة أن البيانات البيومترية تختلف عن أي نوع آخر من البيانات. فالمواطن الذي تُسرق كلمة مروره يستطيع تغييرها، والذي يفقد بطاقته الشخصية يمكنه استخراج أخرى، أما البصمة أو بصمة الوجه فلا يمكن استبدالها.
وهذا يعني أن أي تسريب للبيانات البيومترية لا يمثل مشكلة مؤقتة، بل قد يتحول إلى تهديد دائم يمتد لعقود، ويتيح إمكانيات واسعة لانتحال الهوية، والتزوير، والاحتيال، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق في عمليات أكثر تعقيداً مستقبلاً.
أوكرانيا.. التجربة التي تستحق التأمل
استندت الدراسة إلى التجربة الأوكرانية باعتبارها النموذج الأقرب من حيث ارتباط التحول الرقمي بظروف الحرب. غير أن المقارنة كشفت فارقاً جوهرياً بين التجربتين؛ فنجاح أوكرانيا لم يكن نتيجة إطلاق تطبيق الهوية الرقمية أثناء الحرب، وإنما نتيجة استثمارات مؤسسية، وتشريعية وتقنية امتدت سنوات طويلة قبل اندلاع النزاع.
هذا الدرس يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للسودان، لأن بناء الثقة الرقمية لا يتحقق عبر التطبيقات والمنصات وحدها، بل عبر مؤسسات قوية، وتشريعات واضحة وبنية تحتية قادرة على الصمود أمام الأزمات.
بين الطموح الرقمي والواقعية الأمنية
لا تدعو الدراسة إلى وقف مشروع الهوية الرقمية أو رفض التحول الرقمي، بل على العكس تؤكد أن السودان بحاجة إلى هذه المشروعات لمواكبة التطورات العالمية وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية. غير أنها تدعو إلى تبني نهج أكثر تدرجاً وواقعية، يراعي خصوصية المرحلة الحالية ويمنح الأولوية لحماية البيانات وتعزيز الأمن السيبراني.
فالتحول الرقمي الناجح لا يقاس بسرعة التنفيذ، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين التطوير التقني والحفاظ على الأمن الوطني. كما أن بناء الثقة في الأنظمة الرقمية يتطلب ضمانات قانونية، وفنية ومؤسسية تجعل المواطن مطمئناً إلى أن بياناته محمية وأن حقوقه مصانة.
ما بعد الدراسة
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تنقل النقاش حول الهوية الرقمية من الإطار التقني الضيق إلى الإطار الاستراتيجي الأشمل. فهي تطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية بناء دولة رقمية آمنة في ظل ظروف الحرب، وتدعو إلى التعامل مع البيانات الوطنية باعتبارها مورداً سيادياً لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية أو القدرات العسكرية.
وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الحقيقي أمام السودان هو إطلاق مشروع الهوية الرقمية، وإنما بناء البيئة المؤسسية والقانونية والأمنية القادرة على حمايته. فالمستقبل الرقمي للبلاد لن يتحدد بعدد التطبيقات والمنصات التي يتم إطلاقها، بل بقدرة الدولة على حماية بيانات مواطنيها والحفاظ على سيادتها في الفضاء السيبراني، وهو التحدي الأكبر الذي ستواجهه الدولة السودانية خلال السنوات المقبلة.


