Popular Now

الدبلوماسية الشعبية ودورها في تطوير علاقات السودان الخارجية (نجوى قدح الدم أنموذج للدراسة) .. بقلم: د. سعد حسن فضل الله الأمين .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأي العام

الاتجاهات الحديثة في هيكلة ادارة الجودة داخل الموسسات .. د.بابكر عبدالله محمد علي

تمكين الشباب والمرأة… قضية أمن قومي وليس ملف اجتماعي .. د. منى عباس عبد الرازق

الدبلوماسية الشعبية ودورها في تطوير علاقات السودان الخارجية (نجوى قدح الدم أنموذج للدراسة) .. بقلم: د. سعد حسن فضل الله الأمين .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأي العام

لم تعد السياسة الخارجية اليوم حكراً على وزارات الخارجية والبعثات الرسمية. المشهد الدولي بات أكثر تعقيداً، وصار يضم فاعلين جدد: جامعات، مراكز فكر، رجال أعمال و قيادات مجتمعية لها حضور عابر للحدود. من رحم هذا التحول وُلد مفهوم (الدبلوماسية الشعبية)، بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة التي تعتمد على بناء الثقة، وتوسيع قنوات الحوار، ونسج شبكات من المصالح تتجاوز أحياناً جمود المسارات الرسمية.

الدول التي أدركت قواعد اللعبة مبكراً استثمرت في شخصياتها الوطنية ذات العلاقات الدولية الواسعة. أدركت أن النفوذ الشخصي والخبرة المهنية والقبول الاجتماعي قد تفتح أبواباً تعجز عن طرقها المذكرات الدبلوماسية.

علاقة تكامل لا تنافس
الدبلوماسية الشعبية ليست بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، بل رافد لها. مهمتها أن تمهّد، أن تخفف الاحتقان، أن تبني جسوراً يصعب تشييدها تحت الأضواء.

والسودان، بموقعه الذي يصل العرب بأفريقيا، وبرصيده البشري المنتشر في المهاجر، يملك مقومات نادرة لتفعيل هذا المسار. إن أحسن توظيفها، فقد يستعيد جزءاً كبيراً من وزنه الإقليمي والدولي الذي تآكل بفعل الاضطرابات.

لماذا (نجوى قدح الدم) ؟
ليس الهدف هنا إصدار حكم سياسي على مواقفها ،التى يؤيدها ويعارضها آخرون، بل قراءة تجربتها بوصفها حالة تطبيقية. نجوى قدح الدم اشتغلت لسنوات في مناطق رمادية من العمل السياسي والدبلوماسي، مستفيدة من شبكة علاقات شخصية ومهنية معقدة داخل أفريقيا وخارجها. تلك الشبكة منحتها قدرة على التحرك حيث تتعثر الآليات الرسمية.

من المحطات اللافتة دورها في تقريب وجهات النظر بين الخرطوم وكمبالا خلال فترة من التوتر الأمني والسياسي. العلاقات التي نسجتها مع دوائر القرار الأوغندية أسهمت فعلياً في إعادة فتح قنوات الحوار بين العاصمتين.

أما الحدث الأبرز، فكان اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي مطلع 2020. بصرف النظر عن الموقف من نتائج ذلك اللقاء، فإن التحضير له تم عبر قنوات غير رسمية كان لقدح الدم حضور واضح فيها. هذه هي الدبلوماسية الشعبية في أنقى صورها: شخص يحظى بثقة الطرفين، فينجح في تحريك ملف كامل.

غير أن جوهر تجربتها يتجاوز الحالات المنفردة. فهي تتبنى رؤية أوسع: أن السودان يجب أن يتعامل مع كفاءاته في الخارج بوصفهم (سفراء غير رسميين)، لا مجرد مصادر تحويلات مالية. أساتذة الجامعات، الخبراء، رجال الأعمال، مشايخ الطرق الصوفية ،المؤثرون… كل هؤلاء قادرون على تحسين صورة البلاد، وجلب الاستثمار وفتح آفاق للتعاون العلمي والثقافي.

المعضلة: الفردية مقابل المؤسسية
تكمن المشكلة في أن هذا الجهد لا يزال فردياً. ينجح اليوم مع شخص، ويغيب غداً بغيابه. لا توجد مظلة مؤسسية تحتضن هذه المبادرات وتحولها إلى جزء من استراتيجية الدولة. والمبادرات الفردية ،مهما عظمت، تظل هشة أمام تقلبات السياسة.

لذلك فإن المطلوب سودانياً اليوم هو الانتقال من ردود الأفعال إلى الفعل المنظم. وهذا يقتضي خطوات واضحة:

أ. الاعتراف الرسمي بالدبلوماسية الشعبية بوصفها أحد أذرع السياسة الخارجية. على وزارة الخارجية أن تنشئ إدارة متخصصة للتنسيق مع الكفاءات السودانية في الخارج.

ب. تأسيس مجلس وطني يضم أكاديميين وخبراء ومغتربين ورجال أعمال. ليس للتشريف، بل لاقتناص الفرص. كل عضو يأتي بمشروع لتطوير العلاقة مع الدولة التي يقيم فيها.

ج. توثيق التجارب الناجحة ودراستها. تجربة نجوى قدح الدم وغيرها يجب أن تُحلَّل: ما الذي نجح؟ أين أخطأنا؟ كي لا نفسر الماء بالماء كل مرة.

د. تدريب جيل جديد. الدبلوماسي الكلاسيكي وحده لم يعد كافياً. الإعلامي والباحث ورائد الأعمال يجب أن يمتلكوا أدوات تمثيل السودان بكفاءة في المحافل الدولية.

ه. الاشتغال الجاد على الصورة الذهنية. العالم لن يأتي إلينا من تلقاء نفسه. الإعلام الرقمي، المنصات الدولية، المعارض والمنتديات… كلها ساحات معركة ناعمة يجب أن نحضر فيها.

خلاصة القول:
قوة الدولة لم تعد تُقاس بجيشها واقتصادها فحسب، بل بقدرتها على حشد طاقات أبنائها أينما كانوا. تجربة نجوى قدح الدم تثبت أن الفرد يمكن أن يصنع فارقاً. لكن الفارق الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفرد إلى مؤسسة، والمبادرة إلى سياسة.

السياسة الخارجية الناجحة لا تُدار من مكاتب الخرطوم وحدها، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن مستعدون لذلك؟

المقالة السابقة

الاتجاهات الحديثة في هيكلة ادارة الجودة داخل الموسسات .. د.بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *