الجودة مسؤولية الجميع وليست مسؤولية إدارة منفصلة ، في كثير من الموسسات هناك إدارات تعرف بإدارة الجودة أو قسم الجودة أو مسؤل الجودة أو ممثل الجودة.بل أن الحكومة نفسها في السودان وفي وقت من الأوقات السابقة وجهت بأن تقوم المصالح والوحدات الحكومية بانشاء ادارات للجودة . وكان سببا كبيرا في إهدار الجهد والمال والوقت فيما لاطائل منه ..ذلك أن الفلسفة أو الفكرة من تجويد الاعمال نقلت الي تلك الموسسات بطريقة معيبة او خاطئة من الاساس .وراحت شركات الكسب السريع والمكاتب الاستشارية في المجال المعني والتدريب تروج لذلك من باب الترويج والتسويق لتحقيق الكسب المالي وخاصة فيما يتعلق بتطبيقات نظم إدارة الأيزو ونموذج التميز الأوربي . والتي من المبكر لاوانه أن نقول انها فاشلة بالكاد ولكنها قطعا ليست بهذا السوء أو النقص ، لكنها قطرة في بحر لجئ مع العلم بأن ابو الجودة [[ Father of Quality ]] دكتور / ادوارد ديمنج يعتبرها نوعا من البدع في علوم الإدارة مثلها مثل نظام الجدارات أو الإدارة بالأهداف أو الإدارة بالنتائج أو غيرها من الدورات والمواد التدريبية التي اهدرت فيها الحكومة والمنظمات والشركات اموالا طائلة دون تحقيق عوائد مالية وارباح تتناسب مع نسب الإنفاق العالية .
فالجودة مسؤلية الجميع من مجلس إدارة المنشأة الي المدير العام أو الرئيس التنفيذي أو العضو المنتدب الي ادني هرم الإدارة في المنشأة. ولنقل انها من منبع ومصدر العمل والعمليات [[ Down Stream ]] الي مصب ونهاية العمليات وعند المستفيد الأخير من المنتج / السلعة أو الخدمة او الي المصب [[ Up Stream ]].
لقد أثبتت التجارب الإدارية الحديثة أن الجودة لا تتحقق بوجود إدارة تحمل اسم “إدارة الجودة” فقط، وإنما تتحقق عندما تصبح الجودة ثقافة مؤسسية وسلوكًا يوميًا يمارسه جميع العاملين في المؤسسة، من أعلى الهرم الإداري إلى أصغر وحدة تنفيذية في المنشاة والتي تصل الي حد ومستوي إدارة الاستقبال في الشركة ، وعمال الحراسةاو ما يعرف عندنا بالخفراء .
إن حصر الجودة في إدارة أو قسم محدد قد يؤدي إلى اعتقاد او اعتقال بقية العاملين أن مسؤولية الجودة تقع على عاتق تلك الإدارة وحدها، بينما الحقيقة أن جودة المنتج أو الخدمة تبدأ من التخطيط، وتمر بالتنفيذ، وتنتهي بالتقييم والتحسين المستمر، وهي مسؤولية يشترك فيها الجميع.
لذلك فإن التوجه الإداري الحديث يدعو إلى دمج مفاهيم الجودة في جميع الإدارات والعمليات، بحيث يصبح كل موظف مسؤولًا عن جودة عمله، وكل مدير مسؤولًا عن جودة أداء إدارته او قسمه ، وتصبح الجودة جزءًا من الوصف الوظيفي والثقافة التنظيمية للمؤسسة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الخبرات الفنية المتخصصة في الجودة او التي نالت معارف اكاديمية في الجودة ، وإنما إعادة توجيه دورها في ضبط الجودة وتوكيدها من خلال ايجاد.وظيفة ضابط وتوكيد الجودة [[ QC.QA Manager or Engineer ]] وضباط مساعدين للرقابة والتفتيش وضابط للوثائق [[ Document Controller ]] وضباط وموظفي ادخال البيانات البيانات [[ Entry Data Employees ]] وهم دائما ما يكونوا من مداخل الخدمة . وكل هذه الوظائف من الممكن أن تكون داخل الهيكل الإداري للمنشآت أو الشركات . وفوق هذا وذاك يمكن الاستفادة من المختصين في الجودة ممن بلغوا درجات في اعلي السلم الوظيفي ان يمثلوا دور الاستشاري الداخلي للجودة [[ Internal Quality Consultant ]] دون اعفائه المطلق من وظيفته الاساسية في المنشاة اذا كان رئيس قسم او مدير ادارة او غيرها من الوظائف الفنية او الادارية وينحو في ذلك منحي الاهتمام بالتدريب والتوجيه وبناء الأنظمة وقياس الأداء والتحسين المستمر بالتعاون مع ادارات التخطيط والتدريب والادارات ذات الصلة ومن المهم ان تقوم كل مديري ادارات المنشآت أن تقوم بعمل إجراء إلغاء ادارات الجودة أو أقسام الجودة علي نحو متسارع وفوري ، وتقوم بادماج هؤلاء الموظفين في ادارات المنشأة المختلفة حسب تخصصاتهم وهنا يبدو المحك الحقيقي في اختبار مدي قدرة موظفي الجودة سابقا انفسهم في وضعهم في تحدي متجدد عن مدي التزامهم بمعايير الجودة نفسها وانه يجب أن يفهم استحالة وجود وظيفة تسمي جودة في هيكل الإدارة ولكن ضرورة ارتباطها بالمنتج أو الخدمة التي تقدمها المنشأة سواء أكان ذلك في مجال خدمات المصارف ، التعليم أو شركات التامين أو شركات إنتاج السلع .
إن المؤسسة التي تجعل الجودة شأنًا عامًا لكل منسوبيها تكون أكثر قدرة على التطوير والابتكار وتقليل الأخطاء والهدر وتحقيق رضا المستفيدين، لأن الجودة عندئذٍ لا تكون إدارةً مستقلة، بل أسلوب حياة مؤسسية.
الخلاصة: الجودة ليست قسمًا إداريًا، بل هي مسؤولية جماعية وثقافة تنظيمية يجب أن تسري في جميع مفاصل المؤسسة. وعندما يشعر كل فرد بأنه مسؤول عن الجودة، تصبح المؤسسة كلها إدارة جودة واحدة تعمل نحو التميز والاستدامة. كما أنه من الممكن أن تسعي المنشأة أيضا في سباقها نحو الجودة والتميز أن تسعي لتطبيق نظريات وبرامج ونماذج الجودة العملية والعلمية المتجددة ، مثل نظرية المعرفة العميقة [[ The Theory of Profound Knowledge ]] او تطبيقات برامج الكايزن والتي تهتم بالبيئة داخل المنشأة أو نظم المشتريات الحديثة أو نظم التحكم في العمليات وتخطيطها ورقابتها كنظام الاسكادا [[ SCADA ]] وغيرها العديد من النظم والبرامج الإبداعية والابتكارية الي تعمل علي التطوير المؤسسي وتعزيز الابداع .
د. بابكر عبدالله محمد علي
خبير الجودة والتطوير المؤسسي


