منذ اندلاع الحرب في السودان انشغل الناس بمتابعة أخبار المعارك، وتبدل خطوط السيطرة وتقدم هذا الطرف أو تراجع ذاك، لكن ما يجري اليوم يكشف أن الحرب لم تعد مجرد صراع عسكري على الأرض بل أصبحت أيضًا صراعًا على الشرعية وعلى حق تمثيل الدولة السودانية أمام العالم.
في هذا السياق جاء الحديث عن تحركات داخل الكونغرس الأمريكي تستهدف الطعن في شرعية سلطة بورتسودان، وهو تطور يستحق التوقف عنده طويلًا ليس بسبب قيمته القانونية المباشرة، وإنما بسبب ما يحمله من دلالات سياسية تتجاوز نصوص القوانين ودهاليز المؤسسات الأمريكية.
فالرسالة التي يمكن قراءتها بين السطور هي أن بعض القوى الدولية بدأت تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أكثر من مجرد حرب داخلية، وأنها تسعى منذ الآن إلى التأثير في شكل السلطة التي ستخرج من رحم هذه الحرب، وكأن معركة جديدة قد بدأت بالفعل، معركة لا تخاض بالمدافع والطائرات وإنما بالقرارات والتقارير والضغوط الدبلوماسية.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن السيطرة على الأرض لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار السياسي، فكثير من الحكومات امتلكت القوة العسكرية لكنها عانت من العزلة الدولية كما أن حركات سياسية عديدة حظيت باعتراف خارجي واسع رغم محدودية نفوذها على الأرض، ولذلك فإن الشرعية في عالم اليوم أصبحت وجهًا آخر للقوة وربما كانت في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من القوة نفسها.
واللافت أن هذه التحركات تأتي في وقت بدأت فيه ملامح المشهد العسكري تتغير؛ فكلما اقترب الجيش من تحقيق مكاسب ميدانية برزت محاولات لإعادة ترتيب المشهد السياسي، ولهذا لا يبدو الأمر مجرد مصادفة، بل يعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض العواصم المؤثرة بأن مستقبل السودان لن تحدده المعارك وحدها، وإنما ستحدده أيضا طبيعة التسوية السياسية التي ستليها. غير أن الأزمة السودانية تظل أعقد من أن تختزل في معايير السياسة الدولية أو في الرؤى التي تصاغ بعيدًا عن واقع البلاد، فالسودان لا يعيش نزاعًا سياسيًا عاديًا، بل يواجه حربًا هددت وجود الدولة نفسها وأثقلت كاهل المجتمع بآثار إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، ومن ثم فإن أي حديث عن الشرعية لا يمكن أن ينفصل عن سؤال أكثر جوهرية كيف يمكن الحفاظ على الدولة السودانية واستعادة تماسكها؟
لذلك فإن أخطر ما في هذا التطور ليس احتمال نجاحه أو فشله، وإنما كونه يكشف انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على المدن والطرق والجسور، بل حول من يملك الرواية التي يقتنع بها العالم ومن يحظى بالاعتراف الذي يمنحه حق التحدث باسم السودان.
إن ما يواجهه السودان اليوم هو معركتان متوازيتان؛ معركة في الميدان ومعركة في فضاء الشرعية الدولية والانتصار في إحداهما لا يضمن بالضرورة الانتصار في الأخرى، ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي النظر إلى المشهد بكامله لا إلى جزء منه فقط. ففي عالم اليوم قد تكسب الحرب بالسلاح، لكن الدولة لا تبنى إلا حين تجتمع القوة مع الشرعية ويجتمع الواقع على الأرض مع الاعتراف في الخارج.تلك هي المعادلة التي يبدو أن السودان مقبل على اختبارها في المرحلة القادمة.
السودان بين معركة الميدان ومعركة الشرعية .. مستشار: هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


