Popular Now

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(18) من إسلام آباد إلى طهران وأنقرة: هل يتشكل محور إقليمي جديد بعد الحرب على إيران؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | السودان … لماذا نحاول إلغاء من نختلف معه؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مذكرة حول السياسة المناخية في السودان لصناع السياسات وكبار التنفيذين والباحثين والأكاديميين .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة .. والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

التشكيك في السنة النبوية: بوابة الطعن في ثوابت الدين .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني

ليست كل شبهة عابرة خطراً على الدين، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في الشبهة التي تُقدَّم على أنها بحث علمي، بينما هي في حقيقتها خطوة ضمن مسار متدرج يهدف إلى نزع الثقة من مصادر التلقي، بدءاً بالسنة النبوية، ثم بتأويل النصوص القطعية وصولاً إلى التشكيك في المرجعية الإسلامية ذاتها. ومن هنا جاءت هذه الخاطرة الفكرية توثيقاً لقراءة متأملة في بعض ما يدور حولنا في هذا العصر.

لقد شهدت الساحة الفكرية خلال العقود الأخيرة تصاعداً لافتاً لخطاب التشكيك في السنة النبوية، حيث يركز بعض المتحدثين على إثارة التساؤلات حول تدوين الحديث الشريف، وتوقيت جمعه، وصحة الروايات المنقولة، وكأن الأمة التي حفظت كتاب ربها عبر القرون قد أهملت المصدر الثاني لتشريعها وهويتها.

والمتأمل في طبيعة هذه الطروحات يلحظ أنها لا تقف عند حدود المناقشة العلمية المجردة، وإنما تتجاوزها في كثير من الأحيان إلى محاولة إضعاف الثقة في السنة باعتبارها المرجع المفسر للقرآن والمبين لأحكامه. فإذا اهتزت الثقة في السنة أصبح الطريق ممهداً لإعادة تفسير النصوص القرآنية وفق الأهواء والرؤى المتغيرة، ثم الانتقال إلى التشكيك في صلاحية بعض الأحكام الشرعية بحجة تغير الزمان والمكان، حتى يصل الأمر عند بعض الاتجاهات إلى الطعن في المرجعية الدينية كلها.

إن السنة النبوية ليست نصوصاً هامشية يمكن الاستغناء عنها، وإنما هي البيان العملي للرسالة الخاتمة، وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله واتباعه وجعل ذلك من صميم الإيمان. ولذلك فإن محاولة الفصل بين القرآن والسنة ليست مجرد اجتهاد فكري، بل هي مصادمة لطبيعة الدين الذي نزل متكاملاً في مصادره وأحكامه.

ولا يعني ذلك رفض البحث العلمي أو إغلاق باب الاجتهاد والنقاش، فالإسلام دين الحجة والبرهان، وقد ازدهرت علوم الحديث والجرح والتعديل والنقد العلمي للروايات داخل الحضارة الإسلامية نفسها، قبل أن تعرف البشرية مناهج التوثيق الحديثة بقرون طويلة. لكن الفرق كبير بين النقد العلمي المنضبط الذي يبحث عن الحقيقة، وبين التشكيك الذي ينطلق من نتائج مسبقة ثم يبحث عما يدعمها.

وما يزيد المشهد تعقيداً في عصرنا الحاضر أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لكل أحد أن يتحدث في الدين، فظهر من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرويبضة؛ أولئك الذين يتصدرون الشأن العام ويتحدثون في قضايا الأمة الكبرى دون علم راسخ أو تأهيل معتبر، فيختلط على الناس الحق بالباطل، والعلم بالرأي واليقين بالظنون.

ومع ذلك كله يبقى المؤمن مطمئناً إلى وعد الله تعالى بحفظ دينه، فالدين الذي صمد أمام حملات التشويه عبر القرون لن تنال منه موجات التشكيك العابرة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وحفظ الذكر يشمل حفظ مصادر فهمه وبيانه، ويشمل كذلك تسخير العلماء والدعاة والمصلحين في كل عصر للذبّ عنه وكشف الشبهات المثارة حوله.

إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على رد الشبهات، وإنما تمتد إلى بناء وعي عميق لدى الأجيال الجديدة، يربط بين الإيمان والعلم، وبين الأصالة والمعاصرة، ويغرس احترام التخصص والرجوع إلى أهل العلم، ويحصن العقول من الانجراف خلف الأصوات العالية التي تفتقر إلى المنهجية والأمانة العلمية.

وفي خضم هذا الضجيج الفكري المتسارع، يبقى جهاد الكلمة الصادقة من أعظم صور المسؤولية تجاه الدين والأمة والتاريخ. فالكلمات المخلصة قد تتحول إلى وعي، والوعي قد يتحول إلى حصانة، والحصانة قد تكون سبباً في حفظ أجيال كاملة من الوقوع في مزالق الشبهات والفتن.

نسأل الله أن يبصرنا بالحق، وأن يجعلنا من الشهود له لا عليه، ومن الدعاة إليه بالحكمة والبصيرة، وأن يحفظ لهذه الأمة دينها الذي هو عصمة أمرها، مهما تعددت الشبهات، وتغيرت الوسائل وتبدلت الأزمنة.

المقالة السابقة

مسارات | القضارف بين ظلام الكهرباء ومرارة العطش…د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

مذكرة حول السياسة المناخية في السودان لصناع السياسات وكبار التنفيذين والباحثين والأكاديميين .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة .. والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *