Popular Now

أصل القضية | السودان… هل يكتب الكاتب السوداني اليوم ما ينتقده غدًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6105 | مقترح جديد إلى جانب مقترحاتنا خاصة في المنشور 6103 لأن المعارضة أقرت بفشلها !!! .. (هذا المنشور يتضمن تعليق الذكاء الاصطناعي في نهايته)

نتائج استطلاع رأي عام حول المظاهر المرتبطة بانتشار القوات المشتركة والقوات المساندة داخل المدن

متلازمة “الوسط المفقود” في السياسة السودانية: تفكيك الاقتصاد السياسي للأزمة وإعادة إنتاج النخب .. د. محمد الخاتم تميم

لطالما انشغلت الأدبيات السياسية المعاصرة بتوصيف الأزمة السودانية الممتدة عبر ثنائيات تقليدية؛ (عسكري/مدني) ، (مركز/هامش) أو (نخبة/شعب). ورغم أهمية هذه المقاربات، إلا أنها كثيراً ما تقع في فخ “الرصد العاطفي” أو “المناحة الأخلاقية” التي تكتفي بجلد النخبة والثناء على حيوية المجتمع دون النفوذ إلى جوهر الخلل البنيوي.
مؤخراً، أنتج نقاش فكري تفاعلي بين كوادر وناشطين من جيل ثورة ديسمبر 2019 أطروحة مغايرة، أسقطت مفاهيم “الاقتصاد التنموي” على تشريح الدولة السودانية، متجاوزة السطح السياسي نحو تفكيك آليات إنتاج الفشل المستدام.
يحاول هذا المقال قراءة هذه الأطروحة عبر تتبع مستوياتها الثلاثة: من رصد أعراض الأزمة في الميدان، مراراً بالتشريح الهيكلي لـ “الوسط المفقود”، وصولاً إلى تقديم مقاربة مغايرة لوظيفة الديمقراطية في السياق السوداني الراهن.

أولاً: أعراض المرض.. معادلة التضحية والخذلان
تنطلق القراءة الأولية للمشهد الراهن، في ظل الحرب الحالية، من مفارقة صارخة وصادمة بين مستويين داخل الدولة السودانية:
1. المستوى النخبوي (السياسي والعسكري والجهوي): الذي تراه الرؤية المدنية غارقاً في إعادة إنتاج التحالفات الانتهازية، والارتهان للمحاور الإقليمية، ومحاولة بناء شرعيات ونفوذ “داخل الدولة” عبر السلاح، في حالة انفصال تام عن واقع الكارثة الإنسانية.
2. المستوى المجتمعي (المواطنون والفاعلون القاعيون): الذي يمثل كتلة التضحية الصامتة، حيث يقوم المجتمع بتمويل ذاته، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب بجهود أهلية، وتوفير الحد الأدنى من شبكات الأمان الاجتماعي (مثل غرف الطوارئ والمطابخ المشتركة).
هذا التناقض يضع الإصبع على “أعراض المرض” (The Symptoms)، والمتمثلة في حيوية المجتمع مقابل عقم النخبة، لكن التساؤل الأكاديمي الحقيقي يبدأ من هنا: لماذا يستمر هذا الخذلان التاريخي منذ الاستقلال دون قدرة المجتمع على إزاحة هذه الطبقة؟

ثانياً: التوصيف البنيوي.. إسقاط متلازمة “الوسط المفقود”
هنا ينتقل التحليل من الوعظ الأخلاقي إلى التفكيك الهيكلي باستخدام أداة تحليلية مستعارة من أدبيات التنمية والاقتصاد، وهي متلازمة “الوسط المفقود” (Missing-Middle Syndrome).
في علم الاقتصاد، تعاني بعض الدول النامية من تشوه هيكلي؛ حيث توجد ملايين الكيانات المتناهية الصغر (أكشاك تجارية، باعة جائلون) في القاع، وتقابلها في القمة شركات احتكارية ضخمة وعابرة، مع غياب تام للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عادةً المحرك الأساسي للاقتصاد والابتكار. عند إسقاط هذا المفهوم على “السوق السياسي” في السودان، نجد الهيكل التالي:
القاع (الكيانات متناهية الصغر): ملايين المواطنين، والناشطين، والمستقلين الفاعلين رقمياً واجتماعياً، والذين يعبرون عن مواقف وطنية كأفراد أو مبادرات مؤقتة.
القمة (الكيانات الضخمة الاحتكارية): الأحزاب التاريخية التقليدية، أو الكتل العسكرية والميليشياوية، أو حركات الكفاح المسلح.
الوسط المفقود (Missing Middle): غياب المؤسسات الوسيطة المستدامة (نقابات فاعلة، مراكز دراسات استراتيجية، تنظيمات مجتمعية مدنية، تكتلات مهنية مؤسسية).
إن معضلة العمل المشترك في السودان تكمن في أن البيئة العامة لا تسمح للكيانات الصغرى (مثل لجان الأحياء أو الأجسام المهنية التي تظهر في لحظات الدفق الثوري) بأن تنمو وتتطور مؤسسياً، بل سرعان ما تذبل وتختفي، ليخلو المجال مجدداً لـ “الكبار المحتكرين” للمشهد.

ثالثاً: ميكانيكية السلاح.. الديمقراطية كأداة “لتجاوز” الإقطاع السياسي
يقودنا هذا التشوه الهيكلي إلى تفكيك جذري لوظيفة نظام الحكم في السودان؛ حيث سادت طويلاً سردية تخوف النخب من الديمقراطية بدعوى أنها ستأتي بالأحزاب التقليدية عبر “الديمقراطية العددية”. إلا أن التحليل الأكاديمي الراهن يقلب هذه الفرضية رأساً على عقب، ليؤكد أن “الحكم العسكري والانقلابي هو الحارس الحقيقي لبقاء الكيانات التقليدية الفاشلة”.
وتفسير ذلك يتم عبر آليتين:
1. قُبلة الحياة وعقود الإنقاذ: عندما يستبد الحكم العسكري ويصل إلى طريق مسدود، فإنه – لغياب الأجسام الوسيطة – لا يجد للتفاوض أو الشراكة إلا “الكيانات الكبيرة” الجاهزة (الأحزاب التاريخية أو حركات السلاح). هذه الشراكات تمنح تلك الأحزاب “قبلة حياة” مستمرة، وتحميها من الخضوع لقوانين “السوق السياسي” التي تفرض موت الكيانات الفاشلة وتجددها.
2. احتكار أدوات النمو عبر “العنف”: في بيئة يغيب عنها المناخ الديمقراطي والمؤسسي، لا يملك الفاعل السياسي الصغير أو الناشط أي آلية طبيعية للنمو واكتساب “الوزن السياسي” ، وبالتالي، تصبح الوسيلة الوحيدة للتحول من كيان صغير إلى كيان كبير مؤثر في صناعة القرار هي “حمل السلاح” أو التحالف مع القوة العسكرية. هذا يفسر لماذا يملك قادة الفصائل المسلحة وزناً تفاوضياً في معادلة الحكم يتجاوز بآلاف المرات وزن ملايين الفاعلين المدنيين والرقميين.
ونتيجة لهذه البيئة المشوهة، يقع المجتمع في “متلازمة ستوكهولم سياسية”، حيث يضطر في كل منعطف للبحث عن “بطل مخلص” فردي، ليصطدم لاحقاً بعجز هذا البطل، لأن الأزمة في أصلها أزمة “إقطاع سياسي بنيوي” وليست أزمة أفراد.

الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية:
إن الاستنتاج المعرفي الذي يقدمه هذا التحليل لـ “الخبراء العرب” يتلخص في أن إنقاذ الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب لا يمر عبر استجداء مواقف أخلاقية من النخبة الحالية، ولا بالتباكي على تضحيات الشعب، بل يتطلب إعادة هندسة “قواعد اللعبة” من خلال:
1. الاستثمار في بناء “الوسط المفقود”: الانتقال من نمط التعبير الفردي والمنصات الرقمية الانفعالية إلى بناء مؤسسات وسيطة مستدامة (مدنية، فكرية واقتصادية) قادرة على الصمود التراكمي.
2. فرض الخيار الديمقراطي كضرورة تصفية: لا ينبغي النظر إلى الديمقراطية كترجيع لأصوات الماضي، بل كآلية وحيدة تتيح للكيانات السياسية الفاشلة أن تموت وتتحلل طبيعياً عبر صناديق الاقتراع، وتسمح للأجسام الوسيطة الجديدة بالنمو لتزيح تلقائياً طبقة الإقطاع السياسي الحالية.
3. تفكيك ميزة “السلاح” السياسية: بإنهاء الصيغة التي تجعل من العنف وسيلة للترقي السياسي وصناعة الوزن التنافسي في الدولة.

المقالة السابقة

دولة تشاد بين اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير؟! (3) | تشاد مركز ثقل متصدع في فضاء إقليمي مضطرب .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6103 | تجربة أولى للاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إصدار منشوراتنا

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *