Popular Now

مشروع الانخراط الأمريكي في السلام السوداني.. تشريع يتجاوز السلام إلى الوصاية على السودان (1-2) .. د. خالد حسين محمد

أصل القضية | السودان… هل يكتب الكاتب السوداني اليوم ما ينتقده غدًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6105 | مقترح جديد إلى جانب مقترحاتنا خاصة في المنشور 6103 لأن المعارضة أقرت بفشلها !!! .. (هذا المنشور يتضمن تعليق الذكاء الاصطناعي في نهايته)

مشروع الانخراط الأمريكي في السلام السوداني.. تشريع يتجاوز السلام إلى الوصاية على السودان (1-2) .. د. خالد حسين محمد

مدخل
قراءة في نص يتعامل مع السودان من موقع الفرض لا الشراكة يمثل مشروع قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني، الذي طُرح للنقاش في لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي يوم ٩ يونيو الجاري، تدخلا مباشرا في سيادة السودان، ومحاولة صريحة لنقل النفوذ من ميدان السياسة إلى ساحة الإلزام التشريعي. وإذا كان انتهاك السيادة يقع أحيانًا بالقوة العسكرية، فإن هذا المشروع يذهب إلى الوجه الآخر من العدوان، حين يسعى إلى إخضاع دولة مستقلة ومن فيها لسلطان القانون الأمريكي وإرادته السياسية.

وقد بدا لافتًا احتفاء بعض الكتابات بنصوص مجتزأة من المشروع، وبناء مواقف متعجلة عليها، حتى وصل الأمر إلى الترويج لفكرة أن واشنطن تتجه إلى تصنيف الدعم السريع تنظيما إرهابيا. غير أن هذا التناول، في تقديري، يقرأ النص خارج سياقه، ويعزل عباراته عن بنيته الكاملة. لذلك تبدو العودة إلى المواد نفسها أمرًا ضروريًا، لاستخلاص ما تنطوي عليه من استهداف واضح لسيادة السودان، قبل الانتقال إلى تحليل المشروع في صورته الأوسع.

بيان السياسة
العقوبات لا تستهدف طرفا واحدا بل تتسع لتطال بنية الدولة

في المادة الثانية، وتحت عنوان بيان السياسة، يعلن المشروع أن من سياسة الولايات المتحدة دعم العدالة والمساءلة بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الجهات المسلحة في السودان، ولا سيما المنخرطون في النزاع الذي بدأ في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، والذين نفذوا انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، والذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء حالة الطوارئ التي أعلنتها الطغمة العسكرية بعد ذلك الانقلاب وفي أعقابه.

ومن هذه الصياغة يتضح أن دائرة الاستهداف لا تقف عند جهة واحدة، بل تشمل كل الجهات المسلحة، بما فيها الجيش، والدعم السريع، والحركات المسلحة والمستنفرون بتشكيلاتهم المختلفة. كما يمتد الاستهداف إلى مجلس السيادة بقيادة البرهان، بوصفهم من نفذوا انقلاب ٢٥ أكتوبر. وهنا لا يبدو النص مجرد توصيف سياسي، بل أداة ضغط مباشرة على قيادة الدولة، وفي مقدمتها الفريق البرهان، لدفعها إلى الاستجابة للمطلوبات الأمريكية تحت تهديد العقوبات.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا مع ما ورد في المادة ١٠٥ الخاصة بإنهاء العقوبات، إذ تشترط الفقرة المعنية تغييرًا جوهريًا في السلوك، وتحمل تبعة مناسبة للنشاط الذي فُرضت العقوبات بسببه، مع التزام موثق بالانخراط مستقبلًا في النشاط المطلوب. وبذلك يصبح رفع العقوبات مشروطًا عمليًا بالامتثال، لا بمراجعة قانونية مجردة، وهو ما يكشف طبيعة المشروع باعتباره أداة إكراه سياسي مغلفة بعبارات قانونية.

إضفاء الشرعية على رواية سياسية.. حين يتحول توصيف الانقلاب إلى مدخل لإعادة هندسة السلطة

إن استخدام تعبير انقلاب ٢٥ أكتوبر ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل يحمل حكمًا سياسيًا كاملًا، مؤداه أن الفريق البرهان انقلب على حكومة شرعية هي حكومة حمدوك، وأن الطريق الصحيح، هو عودة تلك الحكومة التي جرى الانقلاب عليها. كما أن ربط النص بين حالة الطوارئ والانتهاكات التي وقعت خلالها يفتح الباب لإعادة إحياء ملف الاعتقالات التي طالت أعضاء حكومة حمدوك، بما يوحي باتجاه يراد له أن ينتهي إلى إعادة هذه المجموعة إلى المشهد.
ولعل أكثر ما يكشف النبرة العدائية في هذه المادة هو الإشارة إلى قيادة الجيش بعبارة الطغمة العسكرية بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر، وهي عبارة لا تحمل فقط موقفا سياسيا، بل تعكس استخفافًا واضحًا بقيادة مؤسسة سيادية في دولة مستقلة.

المساعدات الإنسانية
ممر إنساني بلا سيادة وبلا رقابة

في المادة الثانية كذلك، وتحت عنوان اتباع استراتيجية بشأن السودان، تنص الفقرة الخاصة بالمساعدات الإنسانية على تيسير إيصالها دون قيود في جميع أنحاء السودان عبر خطوط القتال وعبر الحدود الدولية، بما في ذلك من خلال المنظمات المحلية القاعدية.

وهذه الصياغة لا يمكن فهمها إلا باعتبارها سعيا لإلغاء أي متطلبات سيادية تتصل بالتصديق أو الفحص أو التحقق أو معرفة طبيعة المواد المنقولة وكمياتها. وهي بذلك تنتزع من الدولة حقها الطبيعي في الرقابة على ما يدخل إلى أراضيها، وتدفع نحو واقع لا يكون فيه للحكومة حق المنع ولا حتى حق المعرفة. ومثل هذا الترتيب لا تقبله أي دولة تحترم سيادتها، وقد سبق لواشنطن أن حاولت تمرير هذا المنحى عبر مجلس الأمن، لكنها لم تفلح.

الانتقال المدني
من يختار المشاركين ومن يمنح الشرعية

وفي الفقرة الخاصة بدعم حوار شامل يهدف إلى انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية، بما يشمل تعزيز الآليات التي تكفل القيادة والمشاركة الهادفتين للنساء والشباب والمجتمعات المهمشة تقليديًا، يبدو الموقف الأمريكي واضحا في عدم الاعتراف بحكومة كامل إدريس، كما يبدو واضحًا أيضًا أن واشنطن تريد أن تحدد بنفسها من تقبل مشاركتهم في القيادة من النساء والشباب. فإن المقصود هم أولئك الذين تضمهم صمود. كما أن الإشارة إلى المجتمعات المهمشة تقليديا تفتح، في هذا السياق، بابًا للتأويل باتجاه حكومة تأسيس.

رأي الكونغرس
مساواة متعمدة بين الجيش والمليشيا

في المادة الثالثة، تحت عنوان رأي الكونغرس، يرد نص يدعو وزير الخارجية، بالتشاور مع النائب العام ووزير الخزانة، إلى فرض عقوبات على قيادات قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية المسؤولة عن قرارات استراتيجية وجهت أو مكنت من ارتكاب فظائع، بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما يدعو إلى فرض عقوبات على أفراد الأسر البالغين المنتمين إلى قيادة الدعم السريع والقوات المسلحة، ما لم يكن فرد الأسرة قد دان النشاط الموجب للعقوبة واتخذ خطوات ملموسة لمعارضته، ويشير كذلك إلى تصنيف قوات الدعم السريع وفرض عقوبات عليها.

والواضح هنا أن الولايات المتحدة تتبنى رواية تعتبر ما يجري في السودان صراعا بين قوتين، لا تمرد مليشيا على دولة. ومن ثم فهي تسعى إلى وضع قيادة الجيش الوطني وقيادة المليشيا المتمردة في ميزان مساءلة واحد، رغم التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التي تؤكد ارتكاب الدعم السريع لإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في نيالا، والجنينة والفاشر. ومع ذلك، يصر النص على صناعة مساواة سياسية وأخلاقية وقانونية بين الطرفين.

يتبع…..

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان… هل يكتب الكاتب السوداني اليوم ما ينتقده غدًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *