Popular Now

أصل القضية | السودان… هل يكتب الكاتب السوداني اليوم ما ينتقده غدًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6105 | مقترح جديد إلى جانب مقترحاتنا خاصة في المنشور 6103 لأن المعارضة أقرت بفشلها !!! .. (هذا المنشور يتضمن تعليق الذكاء الاصطناعي في نهايته)

نتائج استطلاع رأي عام حول المظاهر المرتبطة بانتشار القوات المشتركة والقوات المساندة داخل المدن

أصل القضية | السودان… هل يكتب الكاتب السوداني اليوم ما ينتقده غدًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في السياسة لا تكون المشكلة دائمًا في ما نكتبه، بل في ما يكتبه النص داخلنا دون أن ننتبه؛ فالكلمات ليست مجرد أصوات مرتبة ولا المقالات أوراقًا تُنشر ثم تمضي. كل فكرة تُلقى في المجال العام تبحث عن شكل تعيش به:
○ قد تصبح موقفًا.
○ وقد تتحول إلى مزاج.
○ وقد تستقر طويلًا حتى تصبح طريقةً في النظر إلى العالم.

ولهذا فإن أخطر ما قد يحدث للكاتب ألا يخطئ، بل أن ينجح.
أن ينجح في صناعة اللغة التي سيشتكي لاحقًا من نتائجها.
وهنا يبدأ السؤال المؤلم: هل يمكن أن يكتب الكاتب اليوم ما سيجلس غدًا لينتقد أثره؟
سؤال يبدو قاسيًا، لكنه ليس اتهامًا لأحد. بل محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين إنتاج الخطاب وإنتاج الواقع، فالكاتب:
○ لا يملك السلطة التنفيذية.
○ ولا يوقّع المراسيم.
○ ولا يدير المؤسسات.
لكن ذلك لا يعني أنه لا يشارك في تشكيل البيئة التي تعمل فيها كل هذه الأشياء، لأن الأفكار لا تحكم وحدها، لكن لا شيء يُحكم طويلًا خارج الأفكار.

وهنا تظهر مفارقة السياسة والثقافة:
● أحيانًا نكتب لتبسيط الواقع، فننتج عقلًا لا يحتمل التعقيد.
● ونكتب للتعبئة، فنُضعف القدرة على الحوار.
● ونكتب للانتصار اللحظي،
فنخسر المساحة المشتركة.

ثم نعود بعد سنوات لنسأل:
● كيف أصبح الناس أقل احتمالًا للاختلاف؟
● كيف صار النقاش أكثر حدّة؟
● كيف تراجعت القدرة على التمييز بين الموقف والعداء؟
● كيف أصبح المجال العام هشًا؟
وربما يكون السؤال الأصعب: كم مرة ساهمنا – دون قصد – في تدريب الناس على ما عدنا نرفضه؟

قبل أشهر دار بيني وبين إحدى الزميلات نقاش بدا في ظاهره سؤالًا عابرًا، لكنه ظل حاضرًا في ذهني أكثر مما توقعت.
كان السؤال:
لماذا كلما ارتفع خطاب الدعوة إلى العودة والاستقرار وإعادة تشغيل الحياة ارتفعت – في المقابل – أصوات التحذير والتخوف والتشكيك؟
ولم يكن جوهر النقاش يومها:
هل هذه المخاوف صحيحة أم خاطئة؟ بل سؤال آخر أكثر إزعاجًا: هل أصبحنا نقرأ الرسائل وفق محتواها، أم وفق الموقع الذي صدرت منه؟ وهل وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها الناس يميزون بسهولة بين التحذير بوصفه مسؤولية والتنفير بوصفه موقفًا؟

ذلك أن المجتمعات لا تُرهق فقط من الأزمات، بل تُرهق أيضًا حين تفقد الثقة في اللغة التي تصف تلك الأزمات.
وعندها يصبح:
○ كل خطاب موضع شك.
○ وكل تحذير مشروع محل تأويل.
○ وكل دعوة للاستقرار متهمة بالتجميل.

وهنا لا تكون المشكلة أن هناك من يبالغ، بل أن المجال العام نفسه أصبح أقل قدرة على استقبال الوقائع خارج الاستقطاب.
وهذا – في ظني – ليس نتاج لحظة واحدة، بل حصيلة سنوات طويلة من الخطابات التي تعاملت مع الكلمات باعتبارها أدوات انتصار أكثر من كونها أدوات فهم.

وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال: من الذي كتب هذا؟
بل: أي نوع من الوعي درّبنا الناس عليه حتى أصبحوا يقرؤون كل شيء بوصفه اصطفافًا جديدًا؟

ذلك أن الخطاب لا يختفي، إنه يترك أثرًا بطيئًا؛
● كل لغة متكررة…
تصنع تصورًا.
● وكل تصور مستقر…
يصنع سلوكًا.
● وكل سلوك متراكم…
يعيد كتابة الواقع.

ولهذا لا يكفي أن يكون الكاتب صادقًا مع لحظته، بل يجب أن يكون مسؤولًا أمام آثارها.

فالكتابة ليست فقط فن التعبير، إنها أيضًا أخلاق التوقع.

أن تسأل نفسك قبل أن تنشر:
إذا انتصرت فكرتي اليوم، فأي مجتمع ستصنع غدًا؟
وهنا لا يصبح السؤال: هل كان الكاتب محقًا؟
بل: هل كان يكتب لما بعد لحظة الكتابة؟ لأن المجال العام لا ينهار فجأة، إنه يتآكل تدريجيًا:
○ من الكلمات التي تكافئ الانفعال أكثر من الفهم.
○ ومن اللغة التي تجعل التصنيف أسهل من القراءة.
○ ومن الخطاب الذي يختزل الإنسان في موقعه.
ثم يتفاجأ لاحقًا بأن الناس فقدت القدرة على رؤية بعضها خارج المواقع.
ولذلك… ربما لا تكون مهمة الكاتب أن يكون دائمًا على صواب، بل أن يترك مساحة ينجو فيها المجتمع إذا كان هو نفسه مخطئًا.

وفي السودان… لسنا بحاجة فقط إلى كتاب يكتبون ما يعتقدونه، بل إلى كتّاب يسألون أنفسهم: أي واقع نُدرّب الناس عليه ونحن نكتب؟ لأن بعض النصوص لا تموت عندما تُنشر، بل تبدأ حياتها.

وفي رؤية الجسر والمورد… لا نؤمن أن أفضل النصوص هي التي تنتصر اليوم، بل التي لا يضطر أصحابها غدًا إلى محاربة ما ساهموا في صناعته.

وذلك بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6105 | مقترح جديد إلى جانب مقترحاتنا خاصة في المنشور 6103 لأن المعارضة أقرت بفشلها !!! .. (هذا المنشور يتضمن تعليق الذكاء الاصطناعي في نهايته)

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *