Popular Now

من طهران إلى الخرطوم(25) | ترامب بين غضب إسرائيل وثقة طهران: تحولات الإقليم وتراجع مشروع الحرب في السودان .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

تنمية أموال الزكاة عبر الاستثمار والشراكة المصرفية .. زهير عبدالله مساعد

السودان ما بعد الحرب والسير في الطريق الخاطئ (3) .. في نقاط هامة للغاية كل يوم حبة (كبسولة) .. د.بابكر عبدالله محمد علي

من طهران إلى الخرطوم(25) | ترامب بين غضب إسرائيل وثقة طهران: تحولات الإقليم وتراجع مشروع الحرب في السودان .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحولات استراتيجية متسارعة أعادت تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية. فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية لم تعد مجرد حوار حول الملف النووي، بل تحولت إلى معركة إرادات بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بينما انعكست هذه المتغيرات على ملفات أخرى، وعلى رأسها الحرب السودانية.
فإسرائيل التي بدأت مسار التصعيد العسكري ضد إيران تجد نفسها اليوم أمام اتفاق لا تملك السيطرة عليه، بينما تحاول إدارة ترامب احتواء غضب الداخل الأمريكي واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، بالتوازي مع سعيها لإنجاز اتفاق يحقق مصالحها الاقتصادية والأمنية.
وفي السودان، تتسارع الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، وتتراجع قدراتها العسكرية، في وقت تتزايد فيه الخسائر الميدانية، ويتعزز الدعم الإقليمي لمؤسسات الدولة السودانية.
أولاً: ترامب بين إنجاح الاتفاق واحتواء الغضب الإسرائيلي
تواجه الإدارة الأمريكية معضلة حقيقية تتمثل في كيفية إنجاح الاتفاق مع إيران دون خسارة الحليف الإسرائيلي أو التيار المحافظ الداعم لتل أبيب.
فترامب يدرك أن الحرب الطويلة في الشرق الأوسط تضر بالاقتصاد الأمريكي، وترفع أسعار الطاقة، وتهدد الأسواق العالمية، ولذلك اتجه نحو خيار التفاوض، حتى وإن تسبب ذلك في توتر غير مسبوق مع الحكومة الإسرائيلية.
لقد أصبح واضحاً أن البيت الأبيض يتعامل مع الملف الإيراني باعتباره ملفاً أمريكياً خالصاً، وليس ملفاً إسرائيلياً، وأن المصالح الأمريكية باتت تتقدم على الرغبات الإسرائيلية.
ثانياً: كواليس سوسرا… إيران تفاوض من موقع القوة
كشفت المعلومات المتداولة حول الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا أن الوفد الإيراني انسحب مؤقتاً احتجاجاً على بعض التصريحات الأمريكية والتهديدات المرتبطة بالمفاوضات.
هذا السلوك يعكس عدة حقائق:
– إيران دخلت المفاوضات بعد صمود عسكري وسياسي.
– طهران لم تعد تتعامل بمنطق الدولة المحاصرة.
– امتلاك أوراق الطاقة وهرمز منحها هامشاً تفاوضياً واسعاً.
– الدعم الروسي والصيني والإقليمي عزز موقفها.
لقد تفاوضت إيران بثقة، بينما تفاوضت واشنطن تحت ضغط الاقتصاد والطاقة والانتخابات.
ثالثاً: اجتماع باكستان الرباعي وإعادة رسم المحور الإسلامي
يمثل الاجتماع الذي ضم باكستان والسعودية وقطر وإيران والولايات المتحدة مؤشراً مهماً على تشكل معادلات إقليمية جديدة.
فالسعودية أصبحت مركزاً رئيسياً للتوازنات الإقليمية، بينما استعادت باكستان دورها الاستراتيجي، وبرزت قطر كوسيط دبلوماسي، في حين نجحت إيران في العودة إلى المشهد الإقليمي دون تقديم تنازلات جوهرية.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، يقل فيه الاعتماد الكامل على القوة العسكرية لصالح أدوات التفاوض والاقتصاد.
رابعاً: أردوغان وتل أبيب… تصاعد الخلاف بين حلفاء واشنطن
أدت التصريحات التركية الأخيرة إلى زيادة التوتر بين أنقرة وتل أبيب، خاصة بعد الانتقادات التركية للعمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة.
هذا التباعد يعكس أزمة أوسع داخل معسكر الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إذ لم تعد المصالح التركية والإسرائيلية متطابقة كما كانت في السابق.
كما أن أنقرة تنظر إلى التوسع الإسرائيلي باعتباره تهديداً للاستقرار الإقليمي، في حين ترى إسرائيل أن المواقف التركية تمنح خصومها زخماً سياسياً إضافياً.
خامساً: هل أصبح نتنياهو عبئاً على الحلف الغربي؟
تشير تقارير متعددة إلى وجود قناعة متزايدة داخل بعض الدوائر الغربية بأن سياسات نتنياهو تعرقل فرص التسوية.
كما تتحدث بعض التقارير الاستخبارية عن محاولات إسرائيلية لإفشال الاتفاق مع طهران، وهو ما خلق توتراً مع إدارة ترامب.
وباتت الحكومة الإسرائيلية تواجه عدة تحديات:
– تراجع التأييد الشعبي.
– تصاعد المعارضة الداخلية.
– الخلاف مع واشنطن.
– الانتقادات الأوروبية.
– الضغوط الاقتصادية والأمنية.
وبالتالي فإن مستقبل نتنياهو السياسي أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
سادساً: روسيا وأوروبا… الجغرافيا تنتصر على السياسة
أكدت التصريحات الروسية الأخيرة أن موسكو تنظر إلى الصراع مع أوروبا باعتباره صراعاً تاريخياً وجيوسياسياً.
وقد أشار وزير الخارجية الروسي إلى أن الضغوط الأوروبية دفعت واشنطن إلى تشديد موقفها في أوكرانيا، بينما تعاني العلاقات الأمريكية الأوروبية حالة من الفتور.
وتدرك روسيا أن أوروبا لا تستطيع بسهولة الاستغناء عن الطاقة الروسية، كما تدرك أوروبا أن استمرار الأزمة يحمل تكاليف اقتصادية باهظة.
وهكذا تفرض الجغرافيا نفسها على السياسة، وتبقى المصالح الاقتصادية عاملاً حاكماً في العلاقات الدولية.
سابعاً: الانشقاقات تضرب قوات الدعم السريع
يشهد مشروع الدعم السريع وتأسيس سلسلة متواصلة من الانشقاقات، كان آخرها خروج قيادات ميدانية وسياسية بارزة.
وتشير هذه الانشقاقات إلى:
– تراجع الثقة الداخلية.
– ضعف المشروع السياسي.
– تصاعد الخلافات القبلية.
– تضارب الأجندات الإقليمية.
– تآكل القدرة على الحشد.
كما أن مغادرة بعض القيادات المؤثرة تمثل ضربة مباشرة للتماسك التنظيمي والعسكري.
ثامناً: الجيش السوداني واستراتيجية الاستنزاف
تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات المسلحة السودانية انتقلت من الدفاع إلى العمليات الاستباقية، خاصة في شمال كردفان ومناطق العمليات الأخرى.
وقد أدت هذه العمليات إلى:
– خسائر بشرية ومادية كبيرة.
– تراجع القدرة الهجومية لقوات الدعم السريع.
– إرباك خطوط الإمداد.
– تعطيل خطط التوسع.
وفي المقابل، استمرت عمليات القصف التي استهدفت الأبيض وكوستي ومناطق مدنية، الأمر الذي أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وأضرار في البنية التحتية.
تاسعاً: السعودية ودعم مؤسسات الدولة السودانية
أظهرت المملكة العربية السعودية موقفاً ثابتاً تجاه السودان، يقوم على دعم مؤسسات الدولة ووحدة البلاد.
وتعكس السياسة السعودية عدة مبادئ:
– الحفاظ على وحدة السودان.
– دعم مؤسسات الدولة الوطنية.
– رفض الفوضى والانقسام.
– تشجيع الحلول السياسية.
وقد أثبتت الدبلوماسية السعودية قدرتها على التحرك الهادئ والمتوازن، بعيداً عن سياسات الاستقطاب الحاد.
عاشراً: سيناريوهات المرحلة المقبلة
السيناريو الأول: نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني
يؤدي إلى:
–’تهدئة إقليمية.
– انخفاض أسعار الطاقة.
– احتواء إسرائيل.
– تراجع احتمالات الحرب.
السيناريو الثاني: عرقلة إسرائيلية للاتفاق
قد يؤدي إلى:
– عودة التوتر في هرمز.
– تصعيد في لبنان.
– ضغوط أمريكية على تل أبيب.
– أزمة داخل إسرائيل.
السيناريو الثالث: تراجع الدعم السريع
ويتضمن:
– زيادة الانشقاقات.
– تراجع العمليات العسكرية.
– ضعف المشروع السياسي.
– تقدم القوات الحكومية.

خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الحروب المفتوحة لصالح التفاهمات السياسية والاقتصادية، وأن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض أجندتها منفردة، بينما استطاعت إيران فرض نفسها لاعباً إقليمياً يصعب تجاوزه.
أما في السودان، فإن استمرار الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، وتنامي الدعم الإقليمي لمؤسسات الدولة، وتزايد الضغوط الدولية على الأطراف المسلحة، كلها مؤشرات تدل على أن ميزان الصراع يشهد تحولات مهمة.
ويبقى العامل الحاسم في جميع هذه الملفات هو قدرة الدول على بناء جبهاتها الداخلية، لأن التحولات الدولية لا تصنع الانتصار وحدها، وإنما تهيئ الظروف لمن يمتلك الإرادة والقدرة على إدارة مصالحه الوطنية.
bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

تنمية أموال الزكاة عبر الاستثمار والشراكة المصرفية .. زهير عبدالله مساعد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *