في الوقت الذي راهن فيه كثيرون على أن الحرب ستؤدي إلى انهيار المجتمع السوداني وتفكك نسيجه الاجتماعي، برزت لجان الأحياء كنموذج استثنائي للعمل المجتمعي المنظم، وقدمت تجربة عملية أثبتت أن الشعوب الحية قادرة على تجاوز المحن وصناعة الأمل حتى في أحلك الظروف.
لقد لعبت لجان الأحياء خلال الحرب دوراً محورياً في إعادة تأهيل ما دمرته الحرب من خدمات أساسية وبنى تحتية في المناطق التي عادت إليها الحياة تدريجياً. ولم تقتصر مساهماتها على الجوانب الخدمية فحسب، بل امتدت لتشمل تنظيم الجهود المجتمعية، وتنسيق المبادرات الطوعية، وتعزيز روح التكافل والتضامن بين المواطنين.

واعتمدت هذه اللجان على وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات الإسفيرية كمنصات للتشاور واتخاذ القرار، حيث ناقشت احتياجات المواطنين وحددت أولويات التدخل، ورصدت الموارد المتاحة، ووزعت الأدوار والمسؤوليات بين أعضائها داخل السودان وخارجه. وقد أسهم هذا الأسلوب في خلق حالة من المشاركة المجتمعية الواسعة، وجعل كل فرد جزءاً من عملية البناء والتعافي.
ومن أبرز المبادرات التي شهدتها فترة الحرب التكايا المجتمعية، التي أسهمت لجان الأحياء، إلى جانب غرف الطوارئ والمتطوعين والمبادرات الشعبية، في تنظيمها ودعمها وتشغيلها لتوفير الغذاء للفئات المتضررة. وقد مثلت هذه المبادرات نموذجاً عملياً للتكافل الاجتماعي، وساعدت في التخفيف من آثار الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
ومع تحسن الأوضاع الأمنية وتحرير عدد من المناطق التي كانت تحت سيطرة مليشيات الدعم السريع، انتقلت جهود لجان الأحياء تدريجياً من مرحلة الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة التعافي المبكر وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية. فقد شاركت في تخطيط وتنفيذ عدد من المشروعات الحيوية، مثل توفير المياه والكهرباء من خلال مبادرات الطاقة الشمسية، والمساهمة في تأمين الأحياء والمرافق العامة، والإشراف على إعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية والأسواق والخدمات المجتمعية الأخرى.
وقد عكست هذه الجهود قدرة المجتمع المحلي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مقومات التعافي والاستقرار، كما أكدت أن لجان الأحياء لم تكن مجرد آلية للاستجابة المؤقتة لظروف الحرب، بل أصبحت نموذجاً عملياً للمشاركة المجتمعية والتنمية المحلية القادرة على الإسهام في إعادة الإعمار وبناء السلام المستدام.
وتكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في لجان الأحياء في التنوع الكبير الذي يميز عضويتها. فقد ضمت كوادر مهنية متخصصة شملت الأطباء والمهندسين والمعلمين والإداريين والمحاسبين الماليين وخبراء الإدارة والتنمية، إلى جانب الشباب والنساء وكبار السن، مما أتاح لها الاستفادة من خبرات متنوعة في التخطيط والتنظيم وإدارة الموارد المالية والبشرية وتنفيذ المشروعات المجتمعية بكفاءة وفاعلية.
وقد انعكس هذا التنوع على قدرتها في تحديد الأهداف بوضوح، وبناء شبكات فعالة للتواصل والاتصال، وإدارة الموارد المتاحة بصورة رشيدة، مما جعلها قادرة على تحقيق نتائج ملموسة رغم محدودية الإمكانات وصعوبة الظروف.
إن ما حققته لجان الأحياء خلال هذه الفترة العصيبة يؤكد أن المجتمع السوداني، رغم ما مر به من أزمات سياسية واقتصادية وحروب متعاقبة وسنوات طويلة من سوء الإدارة، ما زال مجتمعاً يتمتع بدرجة عالية من الوعي والتنظيم والقدرة على التكيف والإبداع.
ولطالما راودني سؤال: لماذا ينجح السودانيون في الخارج ويساهمون في بناء وتطوير الدول التي يقيمون فيها، بينما يظل السودان يعاني من التعثر في مسيرته التنموية؟
لقد قدمت هذه الحرب إجابة واضحة على هذا التساؤل، فقد أثبت السودانيون أنهم يمتلكون الكفاءة والخبرة والإرادة اللازمة للإنجاز متى ما أتيحت لهم الفرصة للعمل في بيئة قائمة على التعاون والمسؤولية المشتركة. وما شهدناه من نجاحات وإنجازات حققتها لجان الأحياء خلال الحرب يؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان السوداني، وإنما في طبيعة الإدارة والقيادة السياسية التي ظلت لعقود طويلة أسيرة للمصالح الحزبية والجهوية الضيقة.
ولعل من أخطر ما استهدفته الحرب هو النسيج الاجتماعي السوداني، باعتباره أحد أهم عناصر القوة والاستقرار في المجتمع، حيث سعت إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وإضعاف روح التضامن.
إلا أن ما قدمته لجان الأحياء من نماذج للتعاون والعمل الجماعي والتضحية من أجل الصالح العام أثبت أن هذا النسيج ما زال حياً وقادراً على الصمود والتجدد، بل وأظهر أن المجتمع يمتلك رأس مال اجتماعي ضخم يمكن البناء عليه في مرحلة ما بعد الحرب.
كما تتمتع لجان الأحياء بدرجة عالية من الشفافية والمصداقية المالية، حيث تخضع مواردها وأنشطتها لرقابة ومساءلة مجتمعية مباشرة من المواطنين المستفيدين، ويتم الإعلان عن التبرعات والإيرادات وأوجه الصرف بصورة علنية، مما عزز الثقة بينها وبين المجتمع.
وتكتسب تجربة لجان الأحياء أهمية إضافية إذا ما نظرنا إليها من منظور المعايير الدولية الحديثة للتنمية المستدامة، ولا سيما المواصفة الدولية ISO 37101 الخاصة بالإدارة المستدامة للمجتمعات المحلية، والتي تؤكد على مشاركة المواطنين وأصحاب المصلحة في تحديد الاحتياجات وحشد الموارد واتخاذ القرار.
كما أن سلسلة مواصفات ISO 37100 الخاصة بالمدن والمجتمعات المستدامة والذكية تؤكد أن المجتمع الواعي هو أساس أي مدينة ذكية ناجحة. وقد جسدت لجان الأحياء هذا المفهوم عملياً، من خلال قدرتها على تشخيص المشكلات، وتنظيم الجهود، وتعبئة الموارد وتنفيذ المبادرات التنموية والخدمية بكفاءة عالية.
ومع أهمية هذه التجربة وما حققته من نجاحات ملموسة، فإن من الضروري الإشارة إلى أن أداء لجان الأحياء لم يكن متجانساً في جميع المناطق. فقد تفاوتت مستويات الفاعلية والإنجاز من منطقة إلى أخرى تبعاً للظروف الأمنية، وحجم النزوح، وتوافر الكوادر المؤهلة، ومستوى الدعم المجتمعي والموارد المتاحة. كما واجهت بعض اللجان تحديات كبيرة تمثلت في ضعف الإمكانات المالية، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع، واستمرار المخاطر الأمنية. إلا أن هذه التحديات لا تقلل من أهمية التجربة، بل تؤكد قدرة المجتمعات المحلية على التكيف والابتكار والعمل الجماعي في ظروف استثنائية بالغة التعقيد.
ومن هنا، فإنني أوصي المنظمات الدولية والوكالات الإنسانية والتنموية، وكذلك رجال الأعمال السودانيين في الداخل والخارج، بتقديم الدعم الفني والمالي والمؤسسي للجان الأحياء، باعتبارها شريكاً مجتمععياً أثبت كفاءته في تحديد الاحتياجات وتنفيذ الحلول بفعالية وشفافية، وباعتبار أن الاستثمار فيها هو استثمار في استقرار المجتمعات وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، ينبغي التعامل مع لجان الأحياء باعتبارها شريكاً أساسياً في التخطيط المحلي وإعادة الإعمار والرقابة المجتمعية، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمة، فهي تمثل نواة حقيقية لديمقراطية قاعدية ومجتمع قادر على إدارة شؤونه.
وفي الختام، لقد أثبتت لجان الأحياء أن الأوطان لا تبنيها الحكومات وحدها، بل تبنيها المجتمعات الحية القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، واليأس إلى أمل، والدمار إلى بداية جديدة. ومن قلب الأزمة، أثبت السودانيون أنهم ما زالوا يمتلكون القدرة على صناعة مستقبل أفضل لوطنهم.
لقد أثبتت الحرب أن المجتمعات المحلية ليست مجرد متلقية للمساعدات، بل شريك أساسي في إدارة الأزمات والتعافي وإعادة الإعمار، وأن الاستثمار في قدراتها التنظيمية والمؤسسية يمثل أحد أهم مرتكزات بناء السودان واستدامة السلام والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب.


