كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التفلتات الأمنية المنسوبة إلى بعض منسوبي الحركات المسلحة في مدن السودان من بورتسودان إلى غيرها. وانشغل الناس بعد الوقائع: هذا اعتدى، وذاك أشهر سلاحه وآخر تجاوز سلطة القانون. ولكن السؤال الذي لم أجد له حظه من النقاش هو: هل هذه التفلتات مجرد انحرافات أفراد، أم أنها ثمرة طبيعية لوضع انتقالي لم يحسم بعد علاقة السلاح بالدولة؟
ولست أقصد بالتفلت هنا الجريمة الجنائية التي تقع من أي مواطن، فالجريمة قد تصدر من العسكري والمدني، ومن ابن المدينة وابن الريف. وإنما أقصد وضعاً يصبح فيه حامل السلاح، بحكم انتمائه لتنظيم مسلح، أقرب إلى الاعتقاد بأن له وضعاً استثنائياً يغاير بقية المواطنين. وهنا يبدأ الخلل.
وقد جرى العرف في بناء الدول، منذ أن استقرت فكرتها الحديثة، على أن تحتكر الدولة وحدها حق استعمال القوة. وليس احتكار القوة امتيازاً للحكومة، بل هو ضمانة للمواطن. لأن المواطن لا يطمئن إلى عدالة القانون إلا إذا علم أن الجميع ،بمن فيهم حملة السلاح، يقفون أمامه سواء.
ولذلك لم يكن السؤال في تجارب الدول الخارجة من الحروب: كم عدد الحركات المسلحة؟ بل كان: متى تتحول هذه الحركات من تنظيمات عسكرية إلى مكونات سياسية ومدنية لا يميز أفرادها عن غيرهم إلا ما يكفل لهم الدستور من حقوق، وما يفرضه عليهم من واجبات؟ولم تنجح تجارب إنهاء النزاعات في العالم لأن الاتفاقات وُقعت، وإنما لأنها حسمت مبكرا سؤال الولاء: الولاء لمن؟ للتنظيم أم للدولة؟ فإذا بقيت الإجابة معلقة، بقيت معها احتمالات التفلت قائمة، مهما حسنت النوايا.
ومن هنا فإن معالجة ما يقع في مدن السودان لا تكون بمجرد إصدار بيانات التنديد، ولا بالاكتفاء بوصف الحوادث بأنها فردية. فالوقائع الفردية قد تتكرر حتى تصنع ظاهرة، والظاهرة إن تركت بلا علاج تتحول إلى ثقافة، ثم تصبح مع الزمن أمراً معتادا يألفه الناس، وذلك أخطر ما يمكن أن يصيب هيبة الدولة.
ولا أظن أن في هذا انتقاصاً من تاريخ الحركات المسلحة أو من تضحيات كثير من منسوبيها، فالتاريخ شيء، وإدارة الدولة شيء آخر. فمن قاتل دفاعاً عن قضية، ثم قبل أن يكون جزءا من الدولة، فقد قبل في الوقت نفسه أن يخضع للقانون الذي يخضع له سائر المواطنين، لا أن يحتفظ بامتياز السلاح بعد انتهاء مبرراته.
ولذلك فإن القضية ليست قضية أفراد أساؤوا التصرف، وإنما قضية مفهوم. هل نريد دولة تتعايش مع مراكز متعددة للقوة، أم دولة يكون القانون فيها هو السلاح الوحيد الذي يعلو على الجميع؟
ذلك هو السؤال الذي أراه أولى بالنقاش من تعداد الحوادث. فالحوادث أعراض، أما المرض فهو أن تتردد الدولة في الإجابة عن سؤال ظل مؤجلا منذ سنوات: متى يصير السلاح مواطنا، ويصير حامله مواطناً قبل أن يكون منسوباً إلى أي حركة أو تنظيم؟
فإذا استقام الجواب، خفتت التفلتات. وإذا بقي الجواب معلقا، فلن يكون آخر ما نسمعه عن المدن السودانية هو هذه الحوادث، لأن المشكلة لن تكون في من حمل السلاح، وإنما في الدولة التي لم تحسم بعد لمن يكون السلاح، ولمن تكون الكلمة الأخيرة.


