Popular Now

وجه الحقيقة | حكاية اللبن المغشوش.. إبراهيم شقلاوي

لا تهدموا البيوت فإنها مبنية بعلمِ الله وخبرته .. د. احمد الطيب السماني

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (5) .. حفتر يساند مليشيا الدعم السريع .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (4) .. الجنوب الذي يرسم خرائط القوة .. د.اسماعيل الناير عثمان

من يقرأ خرائط الصحراء جيداً، يدرك أن الحدود ليست دائماً خطوطاً فاصلة، بل ممرات للحركة والنفوذ والصراع. ولعل هذه القاعدة تنطبق على الجنوب الليبي أكثر من أي منطقة أخرى في شمال أفريقيا. فبينما انشغل العالم لسنوات بطرابلس وبنغازي وسرت، كانت المعركة الأكثر تعقيداً تُدار بصمت في إقليم فزان، حيث تتقاطع حدود ليبيا مع السودان وتشاد والنيجر والجزائر، وتتداخل المصالح الأمنية مع شبكات التجارة غير المشروعة، وتتحول الصحراء إلى مسرح مفتوح تتنافس فيه الدول والجماعات المسلحة والفاعلون دون الدول .
فقد تجاوز الجنوب الليبي، في أي مرحلة من تاريخه، مجرد كونه امتداد جغرافي للدولة، ليبقي
عمقها الاستراتيجي. و بالتالي فان من يستطيع السيطرة على فزان لا يكتسب مساحة صحراوية واسعة لكونها مركز ثقل استراتجي فقط ، وإنما يكون له القدرة على التأثير في مسارات الحركة بين البحر الأبيض المتوسط وعمق الساحل والصحراء، و بالتالي مراقبة أحد أكثر الممرات حساسية لحركة البشر و نقل البضائع والسلاح. ولهذا ظل الجنوب الليبي ، رغم بعده عن مراكز القرار السياسي، أحد أهم مفاتيح القوة في ليبيا.
لقد أدي سقوط حكم القذافي عام 2011 وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة إلى تغير جذري في طبيعة الجنوب الليبي. فتراجع الوجود الرسمي للأجهزة الأمنية والعسكرية، واتسعت المساحات الخارجة عن السيطرة المباشرة للدولة، لتنشط شبكات تهريب الوقود والأسلحة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. ولم يكن ذلك نتيجة فراغ أمني فحسب، بل انعكاساً لطبيعة الجغرافيا الصحراوية الممتدة، التي تجعل الرقابة على الحدود تحدياً بالغ التعقيد حتى في ظل وجود دولة قوية.
وفي هذا السياق، اكتسبت العلاقة بين ليبيا والسودان وتشاد بعداً أمنياً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. فالحدود الطويلة والمفتوحة جعلت أي اضطراب في إحدى هذه الدول يمتد سريعاً إلى الدول الأخرى. وأصبحت التحركات المسلحة، والتنقل عبر الصحراء، وتدفقات السلاح، عوامل تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الأمنية المشتركة، الأمر الذي فرض على دول الجوار التعامل مع الجنوب الليبي باعتباره جزءاً من منظومة أمن إقليمي مترابطة.
كما أن تشاد، بحكم الجوار المباشر والتداخل القبلي والاجتماعي، ظلت ترتبط بالجنوب الليبي بعلاقات معقدة تشكلت عبر عقود من التعاون والصراع. ولم تختف آثار حرب أوزو بانتهاء العمليات العسكرية، بل بقيت انعكاساتها حاضرة في الحسابات الأمنية للطرفين، خاصة مع استمرار هشاشة الحدود وتعدد الفاعلين المسلحين في المناطق الصحراوية.
أما السودان، فقد ظل يتأثر بما يجري في الجنوب الليبي، كما يؤثر فيه، بفعل الامتداد الجغرافي والتداخل القبلي وحركة السكان عبر الحدود. وقد أضفت التطورات الأمنية في الإقليم خلال السنوات الأخيرة مزيداً من التعقيد على هذه العلاقة، إذ أصبحت استعادة الاستقرار في الجنوب الليبي مسألة تتجاوز الشأن الليبي، لتمس أمن الحدود الإقليمية وحركة التجارة والتنقل في فضاء الساحل والصحراء.
ومن ناحية أخرى، اكتسبت مدينة سبها أهمية استثنائية بوصفها القلب الإداري واللوجستي للجنوب الليبي، بينما برزت الكفرة بوصفها بوابة شرقية تربط ليبيا بالسودان وتشاد، وغات بوصفها نافذة على الجزائر، وأوباري باعتبارها إحدى أهم العقد الجغرافية في عمق فزان. ولم تعد هذه المدن مجرد مراكز سكانية، بل تحولت إلى نقاط ارتكاز في معادلة الأمن والسيطرة، وإلى محطات رئيسية في شبكات الحركة العابرة للصحراء.
وفي الوقت نفسه، أصبح الجنوب الليبي محط اهتمام متزايد من القوى الإقليمية والدولية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما أيضاً لدوره في ملفات مكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، وتأمين الحدود، ومراقبة التحركات العابرة للإقليم. ومن هنا، لم يعد الجنوب يُنظر إليه بوصفه هامشاً بعيداً عن الصراع، بل باعتباره إحدى الساحات الحاسمة التي ستؤثر في مستقبل الدولة الليبية.
وتؤكد التجربة أن استقرار ليبيا لا يمكن أن يتحقق عبر تسويات سياسية في الشمال وحده، لأن الدولة التي تفقد السيطرة على عمقها الاستراتيجي تظل معرضة لعودة الاضطرابات مهما بدت العواصم هادئة. فالجنوب ليس هامشاً جغرافياً، بل هو الخزان الاستراتيجي للدولة، والبوابة التي تتدفق عبرها التهديدات والفرص في آن واحد.
ومن هنا، فإن إعادة بناء ليبيا لن تكتمل إلا بإعادة دمج الجنوب في مشروع الدولة، وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية، وتطوير التعاون الأمني مع دول الجوار، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن والتنمية، ويحول دون بقاء الصحراء فضاءً مفتوحاً للصراعات العابرة للحدود.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |قطر… ذاكرة لا تشتريها الحروب إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6140 ( تعليقات الذكاء الاصطناعي في نهاية المنشور ) الحل في اعتقادنا ، هو ان يضع الدعم السريع سلاحه ، وفق شروط ، يتم التوافق معه عليها

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *