تشهد الحرب السودانية تطوراً متزامناً على مستويين رئيسيين؛ الأول عسكري يتمثل في تصاعد التوتر على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، والثاني سياسي يتمثل في استمرار المشاورات التي تقودها الآلية الخماسية بشأن مستقبل العملية السياسية في السودان. ويعكس هذا التزامن اتساع نطاق الأزمة السودانية، بحيث لم تعد مقتصرة على الداخل، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بالتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي وحوض النيل.
ففي شرق السودان، تداولت وسائل إعلام وتقارير معلومات عن تحركات عسكرية واحتكاكات حدودية في منطقة الفشقة وأم براكيت، بالتزامن مع اتهامات وجهتها حكومة إقليم تيغراي إلى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بالتحضير لعملية عسكرية جديدة، ودعوات للتعبئة داخل الإقليم. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تعكس تصاعداً جديداً في المشهد الإثيوبي، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الحدودي السوداني.
كما تداولت بعض المنصات الإعلامية مزاعم بشأن وجود صلة بين التحركات الإثيوبية على الحدود السودانية وبين تطورات الحرب داخل السودان، وذهبت بعض التقديرات السياسية إلى أن فتح جبهة توتر في الشرق قد يهدف إلى تشتيت القدرات العسكرية السودانية أو إعادة توزيع اهتمامها العملياتي. غير أن هذه التقديرات تبقى في إطار التحليل السياسي، بينما تنفي الحكومة الإثيوبية باستمرار أي اتهامات تتعلق بالتدخل في الحرب السودانية، الأمر الذي يستوجب التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية.
ومن زاوية استراتيجية، فإن أي تصعيد على الحدود الشرقية ستكون له انعكاسات تتجاوز الملف الأمني، ليطال الموسم الزراعي في ولاية القضارف، وحركة التجارة العابرة للحدود، فضلاً عن التأثير على التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي، خاصة مع استمرار حالة عدم الاستقرار في إقليم تيغراي وبني شنقول.
وفي ملف آخر لا يقل أهمية، يظل شهر أغسطس محل اهتمام خاص بالنسبة لمصر والسودان في ظل استمرار تشغيل سد النهضة الإثيوبي، حيث تتابع القاهرة والخرطوم تطورات موسم الفيضان وإدارة المياه خلال الأيام المقبلة، لما لذلك من تأثير مباشر على الأمن المائي للدولتين. ويؤكد هذا الواقع أن ملف سد النهضة لا ينفصل عن المشهد الأمني والسياسي في المنطقة، بل يمثل أحد أهم عناصر إعادة تشكيل موازين القوى في حوض النيل.
سياسياً، واصلت الآلية الخماسية جهودها لعقد مشاورات بين القوى السياسية السودانية، وشهدت الأيام الأخيرة إعلان حزب الأمة القومي المشاركة في الاجتماعات، إلى جانب مشاركة قوى سياسية أخرى، في حين استمرت الخلافات داخل بعض التيارات المدنية، وظهرت تباينات في الرؤى بشأن طبيعة العملية السياسية، وأولويات المرحلة الانتقالية، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية.
وتعكس هذه الانقسامات استمرار أزمة الثقة بين القوى المدنية، وهو ما يجعل الوصول إلى رؤية وطنية موحدة أكثر صعوبة، رغم تزايد الضغوط الإقليمية والدولية لإطلاق عملية سياسية تنهي الحرب.
وفي الإطار الاجتماعي والقبلي، تواصل القيادات الأهلية والإدارات التقليدية لعب أدوار مؤثرة في دارفور وكردفان، وسط متابعة للتطورات المتعلقة بعدد من القيادات القبلية، في وقت تزداد فيه أهمية البعد المجتمعي في أي ترتيبات مستقبلية لتحقيق الاستقرار.
دلالات استراتيجية
أولاً: يمثل التصعيد على الحدود السودانية الإثيوبية مؤشراً على أن الحرب السودانية أصبحت أكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي، وأن أمن الحدود الشرقية سيظل أحد أهم التحديات خلال المرحلة المقبلة.
ثانياً: تؤكد تطورات تيغراي أن استمرار عدم الاستقرار داخل إثيوبيا قد ينعكس بصورة مباشرة على السودان، سواء عبر الحدود أو من خلال التأثير على الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة.
ثالثاً: تبقى الاتهامات المتبادلة بشأن الأدوار الإقليمية في الحرب السودانية جزءاً من الصراع السياسي والإعلامي، بينما يظل إثباتها أو نفيها رهيناً بالتحقيقات والوقائع الموثقة.
رابعاً: استمرار اجتماعات الآلية الخماسية يعكس وجود رغبة دولية وإقليمية لدفع العملية السياسية، إلا أن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى قدرة القوى السودانية على تجاوز خلافاتها الداخلية والتوصل إلى مشروع وطني جامع.
خامساً: تؤكد تطورات سد النهضة أن الأمن المائي لمصر والسودان سيظل أحد الملفات الاستراتيجية الأكثر تأثيراً في العلاقات الإقليمية، وأن أي تطورات في هذا الملف ستنعكس على مجمل البيئة الأمنية في المنطقة.
خاتمة
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن السودان يقف عند نقطة تقاطع بين تحديات الحرب الداخلية والتحولات الإقليمية الكبرى. فالتوتر على الحدود الشرقية، واستمرار الحرب في الداخل، وتعدد المبادرات السياسية، وملف سد النهضة، كلها ملفات مترابطة تشكل بيئة استراتيجية معقدة. ومن ثم، فإن نجاح السودان في تجاوز أزمته لن يعتمد على الإنجاز العسكري وحده، وإنما على بناء رؤية وطنية موحدة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإقامة علاقات إقليمية متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتحقق الأمن والاستقرار في السودان والمنطقة.
سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (33) التصعيد على الحدود الشرقية وحراك الخماسية: هل تدخل الحرب السودانية مرحلة إعادة تشكيل الإقليم؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


