يُمثل الفساد الإداري والمالي في كثير من الدول الآفة الكبرى التي تقوض أركان الدول وتهدد استقرارها، غير أن الأخطر من ظاهرة الفساد ذاتها هو تحولها إلى منظومة متكاملة تُدار بالصمت المطبق، وتُسن لصالحها سياسات التغافل وغض الطرف. وحين يطال هذا الخلل معظم مفاصل المؤسسات الحكومية والبنيات التحتية للدولة، ويغيب الحساب والعقاب الفعلي، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة على الرأي العام والنخب الفكرية هو: ما الحكمة وراء هذا الصمت، وهل نحن أمام إدارة عرجاء للأزمات أم أمام هندسة سياسية واقتصادية ممنهجة؟
إن استمرار سياسة الإفلات من العقاب لا يشكل مجرد تساهل عابر، بل هو حاضنة بيئية مثالية لإنتاج جيل جديد من الفاسدين. وكما يُقال في المثل الشعبي البليغ عن تربية (الفلو) في البادية—حيث يُترك لينشأ على سجاياه وطباعه حتى يشتد عوده—فإن ترك الفاسدين يرتعون بلا رادع يرسخ لديهم شعوراً بالحصانة المطلقة. هذا المناخ لا يكتفي بحماية الفساد، بل يؤسس لثقافة مجتمعية ومؤسسية يصبح فيها الفاسد هو النموذج الناجح، بينما يتراجع النزيه والشريف إلى الخلف.
هنالك فرضيان لسياسة غض الطرف والتغافل عن الفساد!!!!
الفرضية الأولى: التمكين المالي لبناء الإمبراطوريات السياسية؛
تتجه التحليلات السياسية الأولى إلى تفسير هذا الصمت المريب باعتباره خطوة استراتيجية بعيدة المدى؛ تهدف إلى مراكمة ثروات طائلة وتأسيس إمبراطوريات مالية عملاقة. ولا يُقصد بهذا المال مجرد منافع شخصية، بل يُستخدَم كأداة ضغط وتأثير لتمويل (حاضنة سياسية) معلومة الأهداف والولاءات.
في هذه الفرضية، يُصبح الفساد أداة غير مباشرة لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني المستقبلي. فالمال السياسي الفاسد هو الممول الأبرز للولاءات، والسبيل الأسرع للسيطرة على مفاصل الدولة وصنع القرار من خلف الكواليس، عبر خلق طبقة سياسية جديدة تدين بالفضل لشبكات المصالح لا لسيادة القانون.
الفرضية الثانية: الفساد كـ (نظام) تحكم استراتيجي
على الجانب الآخر، تذهب الفرضية الثانية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الفساد هنا ليس مجرد وسيلة، بل هو (غاية مطلوبة بذاتها) وهدف استراتيجي متكامل. أي تحويل الفساد من سلوك منحرف إلى (نظام تشغيلي) تدار به الدولة، بحيث تتحكم شبكات المصالح في مفاصل البلاد بلا حسيب ولا رقيب، وفق غايات كبرى مرسومة من جهات الاختصاص.
في ظل هذه السياسة، يصبح استمرار المؤسسات في حالة من الهشاشة المالية والإدارية أمراً مرغوباً، لأن الدولة المنظومة بالفساد تكون أسهل انقياداً، وأقل قدرة على المساءلة، وأكثر خضوعاً لمعادلات النفوذ الخفي التي تدار خارج الأطر الدستورية والقانونية.
خلاصة الأمر :
حتمية الانهيار وتدمير مستقبل العباد
مهما تعددت النوايا أو تباينت التفسيرات بين الفرضيتين، فإن النتيجة النهائية تظل واحدة وواضحة المعالم:
إن تكريس سياسة الصمت والتغافل عن الفساد تمثل هدمًا بطيئًا وممنهجًا لبنيان الدولة.
إنّ بناء المستقبل السياسي أو الاقتصادي على أنقاض المال السائب ومؤسسات ممزقة بالفساد لا يعدو أن يكون مغامرة كارثية ستؤول حتماً إلى تدمير مقدرات البلاد والعباد. فدولة المؤسسات لا تقم إلاّ بسيادة القانون، وغياب العدالة والمحاسبة اليوم هو الإعلان المبكر عن تقويض أركان الغد.
صمت الرقيب وتغول الفساد: هل هو عجز مؤسسي أم هندسة استراتيجية لمستقبل البلاد؟ .. د/عبدالمولى موسى محمد
المقالة السابقة


