في 30/7/2026م استضافت السعودية في الرياض اجتماعًا لرؤساء هيئات الأركان من 43 دولة من أصل 51 دولة دُعيت للمشاركة، وشهد الاجتماع إعلان التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات. وأصدرت 14 دولة بيانًا مشتركًا يحمل توقيعها، وهي: السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، وباكستان، وتركيا، ومصر، والأردن، واليمن، وبنغلاديش، ونيجيريا، والسودان، وجيبوتي، والصومال، وهي الدول التي أكدت دعمها الفوري للمشروع وأتمّت توافقها على الترتيبات التأسيسية للتحالف، فيما تحتاج بقية الدول التسع والعشرين التي شاركت في الاجتماع التأسيسي إلى وقت لاستكمال موافقتها وموافقة أنظمتها الدستورية. وتحتفظ السعودية بصفة الدولة المؤسِّسة والقائدة، وتستضيف المقر الدائم للتحالف وقيادته المشتركة.
وعلى الرغم من أن التحالف نشأ كاستجابة سعودية لتهديد الحوثيين واعتدائهم، فإنه يمثل إعادة ترتيب لموقع السعودية الاستراتيجي، ويشير إلى تجاوز الاعتماد الذي كان حصريًّا على الولايات المتحدة. جاء ذلك نتاج الحرب الإيرانية الأمريكية، التي كشفت محدودية القدرات الأمريكية وفشلها في حماية دول المنطقة، على الرغم من القواعد التي كانت تتبجح بها واشنطون وتزعم أنها أنشأتها لحماية دول المنطقة، حتى أصبحت هذه القواعد نفسها بحاجة إلى حماية من دول المنطقة.
يتركز الثقل العسكري الفعلي للتحالف في أربع دول هي: تركيا، وباكستان، ومصر، والسعودية، فيما تسهم غالبية الدول بقيمة جيوسياسية وموقعية. أما السودان، فعلى الرغم من تراجع قدراته نتيجة الحرب، فإن ذلك لا يمثل ضعفًا بنيويًّا؛ إذ إضافة إلى ذلك ارتفعت القيمة العسكرية للجيش السوداني بعد أن أظهر احترافية وقدرة على إفشال مخطط دولي استهدف السودان وجوديًّا، الأمر الذي يجعل السودان، باحترافية جيشه وامتداد ساحله على البحر الأحمر بطول سبعمائة كيلومتر، عنصرًا مهمًّا في هذا التحالف.
لم يعد غياب الإمارات لافتًا، على الرغم من عضويتها في مجلس التعاون، ومشاركتها التاريخية في التحالف السعودي في اليمن، وتشابه الأهداف الأمنية في ظل الصراع المتمركز حول إيران؛ وذلك بسبب التنافس السعودي الإماراتي المتصاعد، الذي تحول إلى مواجهة مفتوحة على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تعتمد الإمارات على نموذج الشبكات القائم على السيطرة على الموانئ ودعم الميليشيات، في مقابل النموذج المركزي السعودي القائم على العمل مع الحكومات الرسمية. وفي مؤشر إضافي، ألغت الصومال في يناير 2026م جميع اتفاقياتها مع الإمارات المتعلقة بموانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو.
وقد امتد هذا التنافس إلى الحرب السودانية، إذ تُعدّ الإمارات الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع منذ بداية الحرب، لكن هذا التنافس، الذي كانت بدايته في اليمن وشكّل الانتباهة السعودية الأولى، جعل السعودية تدعم الحكومة السودانية والجيش السوداني بقوة، وقد كان لذلك دور كبير في ترجيح الكفة لصالح الجيش السوداني. وشكّلت السعودية بالتعاون مع تركيا ومصر وإريتريا والسودان والصومال ما يُوصَف بمحور البحر الأحمر الجديد، الهادف إلى تفكيك النفوذ المتوسع لثلاثي الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل؛ مما يعني أن التحالف المُعلَن في 30/7/2026م هو تبلور مؤسسي لمحور كان قيد التشكل فعليًّا منذ مطلع عام 2026م.
أما غياب عُمان عن التحالف فله أسبابه الخاصة، فلعُمان منهجها القائم على عقيدتها الراسخة في سياستها الخارجية، التي أرساها السلطان قابوس، والتي تقوم على مبدأ: ((التحدث مع الجميع، والالتزام مع لا أحد)). فقد ظلت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تحدد موقفها من الحرب، حتى إن الرئيس ترامب حذّرها بسبب هذا الموقف المحايد. لكن هذا الموقف ذاته جعلها الوسيط الأهم في إدارة تداعيات الحرب على الملاحة؛ فقد قادت فريق التعاون بمشاركة قطر وباكستان ومصر بشأن آلية إدارة مضيق هرمز، وبالتالي فإن انضمامها إلى تحالف سعودي موجَّه ضمنيًّا ضد إيران والحوثيين كان سيقوّض دورها كوسيط بشكل جذري.
واللافت أن هذا الحلف أُنشئ على الرغم من وجود القوات البحرية المشتركة، التي يقع مقرها في المنامة، والتي تمثل أكبر تجمع بحري أمني أنشأته الولايات المتحدة بعضوية 47 دولة وخمس قوى مهام، من أهمها قوة المهام 153 المسؤولة عن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وقد تولت السعودية قيادة قوة المهام 150 في أغسطس 2025م، فيما انسحبت الإمارات من هذه القوات في مايو 2023م بسبب استيائها من ضعف الاستجابة الأمريكية لتهديدات إيران.
وبالتأكيد، فإن إنشاء السعودية لهذا الحلف، على الرغم من وجود التحالف الأمريكي الذي تُعدّ السعودية من ضمنه، يعود إلى انهيار الثقة في الحماية الأمريكية التي كشفت الحرب الإيرانية الأمريكية ضعفها. ولذلك، فإن إنشاء التحالف السعودي بعيدًا عن واشنطن يكشف عن سعي السعودية إلى بناء بُنى أمنية إقليمية مستقلة وفعّالة، لا بوصفه تحديًا صريحًا لأمريكا، وإنما لانكشاف محدودية الحماية الأمريكية المزعومة التي طالما تبجّح بها ترامب. ويؤكد هذه النزعة الاستقلالية السعودية وضعف الثقة في الحماية الأمريكية أن محمد بن سلمان أخبر نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس بأن المملكة قادرة على إدارة الوضع مع الحوثيين ولا تحتاج إلى تدخل أمريكي.
وقد أثار هذا السلوك السعودي قلقًا أمريكيًّا؛ إذ حذّر مكتب الأبحاث العسكرية الخارجية الإدارةَ الأمريكية من أن فشلها في حماية السعودية قد يدفعها نحو تعميق علاقتها الأمنية مع بكين، مستشهدًا بزيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى بكين في يونيو 2024م.
وعلى الرغم من أن هذا التحالف يمر الآن بمرحلة تنظيمية، دون قواعد اشتباك محددة أو مساهمات قوات معلنة، فإن تطوره سيتوقف على ثلاثة محددات رئيسية:
1- نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية ومآلات مفاوضات هرمز.
2- مصير النزاع اليمني وإمكانية تصعيد بري سعودي مباشر ضد الحوثيين.
3- قرار الولايات المتحدة بالانضمام إلى التحالف.
وبصورة مجملة، فإن قيام هذا الحلف يوضح أن السعودية خرجت من دور التابع إلى دور الناظم والمهندس والفاعل في المنطقة. وإذا تحركت السعودية بريًّا ضد الحوثيين، فسيكون السودان أول الداعمين والمشاركين، بحكم علاقته السابقة ودعمه للسعودية في حرب اليمن، مما يمهد للميلاد الفعلي للتحالف على أرض الواقع.
إن انضمام السودان إلى هذا الحلف لا يمكن فهمه بمعزل عن التحول الجوهري في السياسة السعودية تجاه الحرب في السودان؛ حيث انحازت السعودية إلى جانب الحكومة السودانية، وقدمت دعمًا عسكريًّا ولوجستيًّا كان له دور فعّال في ترجيح كفة الميزان لصالح الجيش السوداني. ويشكّل دعم السعودية للبرهان جزءًا من استراتيجية جيوسياسية أوسع لإدارة موازين القوى الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يشكّل اعترافًا بشرعية الحكومة السودانية؛ مما يعني أن انضمام السودان يخدم مصلحة سعودية استراتيجية مباشرة بقدر ما يخدم مصلحة البرهان في تعزيز الدعم الخارجي.
ويمثل انضمام السودان إلى حلف تأسيسي رفيع المستوى اعترافًا جماعيًّا به ممثلًا شرعيًّا وحيدًا للدولة السودانية، ويمثل دعمًا من ثلاثة أعمدة: السعودية تقدم البنية المالية، وتركيا تحافظ على قاعدة لوجستية، ومصر تقدم الدعم السياسي والعملياتي.
يمثل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات محاولة سعودية لصياغة نظام أمني إقليمي بقيادة ذاتية، يستجيب لتهديد حوثي مباشر ولحرب أمريكية إيرانية متصاعدة، مع الحفاظ على مساحة استقلالية استراتيجية عن واشنطن نتيجة لانكشاف سوأة الحماية الأمريكية المزعومة للمنطقة وأنظمتها. ويعتمد التحالف على ثقل بحري حقيقي محصور في أربع دول هي: تركيا، وباكستان، ومصر، والسعودية، فيما تسهم غالبية الأعضاء بقيمة موقعية وسياسية، وتمثل احترافية الجيش السوداني وخبرته القتالية القدرةَ القتالية الفعلية الأهم إذا احتاج الأمر إلى المشاة.
وإذا كانت مصر وتركيا والسعودية تمثل الثقل البحري الحقيقي للتحالف البحري الدفاعي، فإن اتفاقية مكة للردع المشترك، التي جرى توقيعها في مكة يوم 7/8/2026م، تمثل توزيع أدوار محكمًا يعكس تكامل القدرات: تركيا تقدم ثاني أكبر جيوش حلف الناتو، زائدًا صناعات دفاعية متقدمة؛ وباكستان تقدم العمق البشري العسكري من جيش يضم أكثر من 600 ألف جندي، زائدًا الترسانة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي؛ والسعودية تقدم العمق المالي والاستراتيجي، زائدًا الشرعية الدينية.
ويكمّل هذا التحالف الصورةَ ويؤكد الدلالات الآتية:
الدلالة الأولى: انهيار عقيدة الاعتماد الأحادي على الحماية الأمريكية. تمثل هذه الاتفاقية النقضَ الهادئ للمعادلة الأمنية السعودية مع أمريكا، التي قامت على معادلة النفط مقابل الحماية، والتي امتدت ثمانية عقود. فهذه الحماية التي تبجّح بها ترامب حين صرّح في أكتوبر 2018م خلال تجمع انتخابي: ((إن المملكة قد لا تبقى في السلطة لأسبوعين)) دون الدعم العسكري الأمريكي، مطالبًا الرياض بدفع تكاليف حمايتها، وقد كرر هذه المطالبة عدة مرات في مناسبات خطابية مختلفة.
الدلالة الثانية: أنه ليس مجرد تحالف عسكري، بل إعلان عن ولادة قطب حضاري سياسي في نظام دولي متعدد الأقطاب.
الدلالة الثالثة: انتقال السعودية من الدولة الرخوة إلى الدولة المحور، فقد تحولت السعودية من مموِّل للسياسات إلى صانع للنظام الإقليمي.
الدلالة الرابعة: أن الرياض لم تعد تؤجل التطبيع فحسب، بل تقود كتلة مضادة لاتفاقيات إبراهام بأكملها. والنتيجة العملية لذلك أن اتفاقيات إبراهام وصلت مرحلة الجمود السريري، وأن الإمارات باتت في موقع حرج بين محورين متنافرين: محور واشنطن – تل أبيب – أبوظبي، ومحور الرياض – أنقرة – إسلام أباد. وعلى الرغم من أن السعودية ما تزال تستضيف قواعد أمريكية، وتعتمد في تسليحها على أمريكا بنسبة 70%، وترتبط بصفقة نووية مدنية مع واشنطن، فإنها خرجت خروجًا بنيويًّا عميقًا، بحيث أصبحت تنوّع مصادرها الأمنية بصورة لا تملك معها أيُّ عاصمة حقَّ النقض على القرار السعودي.
وتتمثل المؤشرات على هذا التحول البنيوي في الآتي:
1- توسيع الشراكة العسكرية مع الصين.
2- الانضمام إلى مجموعة بريكس.
3- انتهاء اتفاقية البترودولار بين السعودية والولايات المتحدة بالتزامن مع ذلك؛ فقد أصبحت السعودية قادرة على بيع نفطها بعملات متعددة، الأمر الذي يعيد تشكيل العلاقة بين الرياض وواشنطن بشكل جذري، وأصبحت السعودية أكثر حرية في بناء تحالفات مستقلة عن الإرادة الأمريكية.
4- رفض الانصياع لضغوط واشنطن لزيادة إنتاج النفط ضد المصالح الروسية.
5- رفض شروط ترامب بربط الصفقة النووية بالتطبيع مع إسرائيل.
ونخلص من كل ذلك إلى أن التحالف البحري واتفاق الردع المشترك يمثلان نهاية عصر القبول الخليجي بالحماية الأمريكية مقابل التبعية السياسية، ويعني ذلك ولادة مفهوم الأمن الإسلامي متعدد الأقطاب، المتمركز حول السيادة والغموض النووي المحسوب، مع تفكيك بطيء لمنظومة اتفاقيات إبراهام. والرسالة الأعمق لهذا التحالف أن الشرق الأوسط يعيد كتابة قواعده بأيدي أبنائه، لأول مرة منذ سايكس بيكو 1916م، بما يمثله ذلك من إحياء للأمل في بعث الأمة الإسلامية؛ فالسعودية التي كانت الحليف الصامت لواشنطن لعقود، تعلن انتقالها إلى دور الفاعل المستقل: ليس عدوًّا، ولكن ليس تابعًا أيضًا.


