كلما ارتفع سعر الذهب عادت إلى الواجهة أحاديث كثيرة عن مستقبل الدولار والجنيه السوداني، ويقول البعض إن استمرار ارتفاع أسعار الذهب يمكن أن يؤدي في النهاية إلى انخفاض سعر الدولار وتحسن قيمة الجنيه. الفكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، خصوصاً أن السودان من البلدان التي تمتلك ثروة كبيرة من الذهب، لكن المسألة في حقيقتها أعمق من مجرد ارتفاع سعر معدن في الأسواق العالمية.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل سيرتفع الذهب؟ وإنما: ماذا يفعل السودان عندما يرتفع الذهب؟ البلد غنية بالموارد، والذهب واحد من أهم هذه الموارد، وربما أهم مصدر يمكن أن يوفر النقد الأجنبي في الظروف الحالية. ولذلك فإن ارتفاع سعر الذهب عالمياً يمكن أن يمثل فرصة حقيقية للاقتصاد السوداني، لأن كل كمية يتم تصديرها يمكن أن تحقق عائداً أكبر من العملات الأجنبية. لكن هذا الأمر لا يحدث تلقائياً. ارتفاع الذهب لا يعني بالضرورة انخفاض الدولار، كما أن ارتفاع سعر الذهب بالجنيه السوداني قد يكون أحياناً نتيجة مباشرة لانخفاض قيمة الجنيه نفسه أمام الدولار. وهنا تكمن المفارقة لدينا الذهب، لكننا نبحث عن الدولار.
فالذهب لا يصبح قوة اقتصادية حقيقية لمجرد وجوده في باطن الأرض أو ارتفاع سعره في الأسواق العالمية. قوته تبدأ عندما يتحول إلى إنتاج، ثم إلى صادرات، ثم إلى نقد أجنبي يدخل الاقتصاد الرسمي. فإذا تم إنتاج الذهب وتصديره بصورة رسمية، ودخلت حصيلته إلى الجهاز المصرفي، فإننا نحصل على مصدر إضافي من الدولار. وكلما زاد عرض الدولار في السوق، مع ثبات أو انخفاض الطلب عليه، يمكن أن تخف الضغوط على سعر الصرف، ويبدأ الجنيه في استعادة بعض من قوته.
أما إذا خرج الذهب بصورة غير رسمية، أو ذهبت حصيلته إلى خارج النظام المصرفي، فإن ارتفاع سعره قد يزيد قيمة الثروة بالنسبة لمن يملكونها، لكنه لا يحل مشكلة الدولار داخل السودان. فالذهب يخرج لكن الدولار لا يدخل إلى الدورة الاقتصادية المحلية بالشكل المطلوب. وهنا يجب أن نفرق بين ارتفاع الذهب وارتفاع قيمة الذهب بالنسبة للاقتصاد السوداني. فقد يرتفع الذهب عالمياً، لكن إذا استمرت كمية كبيرة من إنتاج السودان خارج القنوات الرسمية، فلن يحصل الاقتصاد على الفائدة الكاملة. وقد يرتفع سعر الذهب داخل السودان أيضاً بسبب تراجع قيمة الجنيه، وفي هذه الحالة لا يكون ارتفاع الذهب سبباً في ضعف الجنيه، وإنما يكون ضعف الجنيه أحد أسباب ارتفاع سعر الذهب بالجنيه. لهذا فإن العلاقة بين الذهب والدولار ليست علاقة مباشرة، وإنما تمر عبر الاقتصاد الحقيقي.
ارتفاع الذهب يمكن أن يزيد عائدات الصادرات، وزيادة عائدات الصادرات يمكن أن تزيد تدفقات الدولار، وزيادة تدفقات الدولار يمكن أن تخفف الضغط على سعر الصرف. لكن هذه السلسلة لا تكتمل إلا إذا دخلت حصيلة الذهب إلى السودان وتم استخدامها بصورة صحيحة. وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا يفعل السودان بالدولار الذي يأتي من الذهب؟ إذا دخل الدولار ثم استخدم كله في استيراد السلع الاستهلاكية، فسوف يدخل من باب ويخرج من باب آخر، وبعد فترة نعود إلى المشكلة نفسها ونبحث من جديد عن الدولار. أما إذا استخدم جزء مهم من هذه الأموال في الزراعة والصناعة والطاقة والبنية التحتية وإعادة تشغيل المشاريع، فإن الدولار يتحول من مجرد عملة أجنبية إلى قدرة إنتاجية. وهنا تبدأ المعادلة التي يحتاجها السودان فعلاً. الذهب يولد الدولار، والدولار يمول الإنتاج، والإنتاج يقلل الحاجة إلى الاستيراد، ويزيد القدرة على التصدير، والصادرات تولد دولاراً جديداً. عندها تتحول الثروة من مورد يتم استهلاكه إلى قوة اقتصادية تتجدد. وهذا هو الفرق بين بلد يبيع الذهب ليشتري حاجاته، وبلد يستخدم الذهب ليعيد بناء اقتصاده.
السودان لا يحتاج إلى الذهب لكي يعيش على الذهب، وإنما يحتاج إلى الذهب لكي يعيد بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش من الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والطاقة والخدمات والصادرات. فإذا تم توجيه عائدات الذهب إلى إعادة تشغيل المشاريع الزراعية، وتوفير مدخلات الإنتاج، وإصلاح الطرق والطاقة، ودعم الصناعة، فإن أثر الذهب لن يتوقف عند الدولار الذي دخل اليوم، وإنما يمكن أن يمتد إلى دولارات جديدة تأتي غداً من الصادرات والإنتاج. لكن هناك خطراً كبيراً يجب الانتباه إليه، وهو أن يتحول الذهب إلى وسيلة لتمويل الاستهلاك فقط. في هذه الحالة نبيع الذهب، نحصل على الدولار، نستورد السلع، ثم تخرج الدولارات مرة أخرى، ونجد أنفسنا بعد فترة أمام المشكلة نفسها. وهذا يعني أننا استهلكنا الثروة ولم نبنِ بها اقتصاداً. لذلك فإن السؤال الأهم ليس كم طن ذهب ينتج السودان، وإنما كم من قيمة هذا الذهب تتحول فعلياً إلى قوة اقتصادية داخل البلاد. كم يدخل إلى الجهاز المصرفي؟ كم يذهب إلى الاحتياطي؟ كم يستخدم في تمويل الإنتاج؟ وكم يذهب إلى الاستهلاك؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الذهب يمكن أن يصبح عاملاً في استقرار الجنيه أم لا.
لا يمكن الحديث عن الذهب بمعزل عن الثقة في العملة. فالجنيه السوداني لا يحتاج إلى الدولار وحده حتى يستعيد عافيته، بل يحتاج إلى اقتصاد يعطي الناس سبباً للثقة فيه. عندما يشعر المواطن أن الجنيه يحافظ على قيمته، وأن الدولة تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية، وأن الإنتاج يتحسن، وأن الصادرات تزيد، وأن الدولار أصبح متاحاً من خلال النظام المصرفي وليس سلعة نادرة في السوق الموازي، فإن الثقة تبدأ في العودة. والثقة في العملة ليست قراراً يصدر من بنك مركزي أو وزارة مالية، وإنما نتيجة طبيعية لاقتصاد يعمل بصورة صحيحة. ولهذا فإن انخفاض الدولار، إذا حدث، لن يكون نتيجة ارتفاع الذهب وحده. سيكون نتيجة اجتماع عدة عوامل:
1- زيادة صادرات الذهب الرسمية.
2- دخول حصيلتها إلى النظام المصرفي.
3- زيادة الإنتاج المحلي.
4- نمو الصادرات الأخرى.
5- تقليل الواردات غير الضرورية.
6- ضبط الإنفاق، وتحقيق قدر من الاستقرار النقدي والمالي.
الذهب يمكن أن يساعد في كل ذلك، لكنه لا يستطيع أن يقوم بالمهمة وحده. وهنا ربما تكمن أكبر فرصة أمام السودان. فارتفاع أسعار الذهب يمكن أن يمنح البلاد مورداً مهماً من النقد الأجنبي في وقت تحتاج فيه بشدة إلى الدولار. وإذا تم استغلال هذه الفرصة بصورة صحيحة، فقد يصبح الذهب جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد بعد سنوات الحرب والاضطراب. لكن يجب ألا ننظر إلى الذهب باعتباره حلاً سحرياً. فالذهب ثروة، لكنه ليس سياسة اقتصادية. والدولار مورد، لكنه ليس اقتصاداً. والعملة القوية لا تنتج فقط من امتلاك الذهب، وإنما من امتلاك اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وكسب النقد الأجنبي والمحافظة عليه. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغلبال الجميع ليس( هل سيرتفع الذهب أكثر؟ بل: ماذا سنفعل إذا ارتفع الذهب أكثر؟ ) هل سنبيع الثروة ونستهلك عائداتها؟ أم سنستغلها لإعادة بناء اقتصادنا؟ هل سيكون الذهب مجرد مصدر مؤقت للدولار؟ أم سيكون وسيلة لتمويل الزراعة والصناعة والطاقة والإنتاج؟ إذا نجحنا في تحويل الذهب إلى دولار، وتحويل الدولار إلى إنتاج، وتحويل الإنتاج إلى صادرات، وتحويل الصادرات إلى مزيد من النقد الأجنبي، فإننا لن نكون أمام ارتفاع مؤقت في قيمة الجنيه، وإنما أمام بداية دورة اقتصادية جديدة. أما إذا استمر الذهب في الخروج بينما يظل الاقتصاد يبحث عن الدولار، فسوف تستمر المفارقة نفسها بلد غني بالذهب، لكنه يعاني من شح النقد الأجنبي، ومواطن يملك ثروة تحت أرض بلده لكنه يضطر إلى البحث عن الدولار لحماية مدخراته. في النهاية، الذهب يستطيع أن يساعد في إنقاذ الجنيه السوداني، لكنه لن ينقذه وحده. الذي ينقذ الجنيه هو الاقتصاد الذي يقف خلفه إنتاج حقيقي، صادرات حقيقية، موارد تدار بشفافية، وسياسة نقدية ومالية منضبطة، وثقة تعود إلى المواطن. فالذهب ليس النهاية، وإنما يمكن أن يكون البداية. والتحدي الحقيقي أمام السودان ليس أن يمتلك الذهب، وإنما أن يعرف كيف يحول الذهب إلى اقتصاد قوي، والاقتصاد القوي إلى جنيه قوي.


