Popular Now

حين يهان المعلم من اعتداء فردي إلى سؤال عن الدولة والقانون .. هشام محمود سليمان

وجه الحقيقة | الإسلاميون… سيناريوهات البقاء والإقصاء .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة الحرب على السودان (42) قيسان والكرمك وشرق السودان: هل تعود الجبهة الإثيوبية إلى واجهة الحرب؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

انقطاع التيار الكهربائي في السودان .. (تشخيص الأزمة وتأثيراتها القطاعية في ظل الحرب) .. مستشار أحمد حسن الفادني

من لم يعد انقطاع التيار الكهربائي في السودان إخفاق فقط في تقديم خدمة عامة فقد تحول إلى مهدد رئيسي لمصير القطاعات الإنتاجية العامة وأحد أعمق جذور الأزمة الاقتصادية الراهنة، لما كان يعد عرضا من أعراض تردي البنية التحتية أصبح اليوم سبب مباشر في تاكل القدرة الإنتاجية وتدمير رأس المال العاملوإعادة هيكلة قسرية للأنشطة الاقتصادية تحت وطأة التكيف مع الظلام فمع خروج محطة توليد سد مروي عن الخدمة إثر حريق في كوابلها الرئيسية وتزامن ذلك مع تدمير ممنهج للبنية التحتية للكهرباء خلال سنوات الحرب من قبل المليشيا غرقت البلاد في ظلام اقتصادي يكاد يكون مطابق للظلام الذي يخيم على مدنها الكبرى . ونحن في هذا المقال نحاول أن قدم تحليلا تشخيصيا لتأثيرات انقطاع التيار الكهربائي على القطاعات الإنتاجية في السودان مستندين إلى قراءة معمقة للواقع الاقتصادي ومؤشرات الأداء القطاعي العام مع المحاولة لتقديم مقترحات قابلة للتنفيذ في السياق و الوضع الاقتصادي السوداني الراهن.

أولا: تشخيص أزمة الكهرباء…بين التدمير الممنهج والوهن الهيكلي:
تمثل أزمة الكهرباء في السودان حالة فريدة من نوعها في المنطقة و الإقليم إذ تتشابك فيها عوامل هيكلية متراكمة مع صدمات حادة ناجمة عن الحرب من خلال ذلك بشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن قطاع الكهرباء في السودان تعرض لأضرار تراوح قيمتها بين 2 و3 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 فهذه الخسائر لا تقتصر على تدمير وحدات التوليد ومحطات التحويل، فقد شملت أيضا خطوط النقل الرئيسية التي امتدت الخسائر فيها إلى 1500 كيلومتر فضلا عن نهب نحو 15 ألف محول كهربائي في عملية ممنهجة استهدفت تفكيك الشبكة القومية للكهرباء ، فهذا الدمار لم يولد من فراغ فقد تراكم على وهن هيكلي يعصف بالقطاع قبل سنوات فقد كانت الشبكة الكهربائية السودانية تعاني من هشاشة في مزيج التوليد حيث يعتمد أكثر من 60% على الطاقة الكهرومائية المعرضة للتأثر بتغيرات مناسيب النيل والترسبات والنسبة الباقية على محطات حرارية تعمل بالوقود المستورد وهو ما جعلها عرضة للصدمات المالية والنقدية، كما عانى القطاع من تركزية حادة في الإدارة حيث كانت العاصمة تستهلك نحو نصف الإنتاج الوطني بينما ظلت مناطق واسعة أخرى تعاني من عزلة شبه تامة عن الشبكة .

ثانيا: التأثيرات المباشرة على القطاعات الإنتاجية
1. القطاع الزراعي…بين جدوى الري الشمسي وأزمة التمويل: حيث يعتبر القطاع الزراعي الذي يشغل نحو 40% من القوى العاملة السودانية من أكثر القطاعات تضرر من انقطاع الكهرباء لا سيما في مجال الري واستمرارية الإنتاج ، ففي المناطق الزراعية توقف التيار يعني توقف مضخات الري وهو ما يهدد المحاصيل ويجعل الموسم الزراعي رهين بتوفر الوقود لتشغيل المولدات. فبدخول كل موسم زراعي كان يثقل القلق المزارعين ، فلم يكونوا متأكدين من قدرتهم على إكماله، ولكن التحول إلى الطاقة الشمسية رغم كونه الحل الأكثر جدوى، يواجه ايضا تحديات كبيرة فبحسب ففي دراسة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى ارتفع سعر اللوح الشمسي بقدرة 550 واط من 75 ألف جنيه سوداني قبل الحرب إلى نحو مليون جنيه و قد يزيد حاليا، بينما قفز سعر البطارية سعة 200 أمبير من 250 ألف جنيهاً إلى أكثر من 1.5 مليون جنيه ، وهذا يعني أن الحلول البديلة رغم انخفاض تكاليف تشغيلها، تتطلب استثمارا أولي ضخم لا تستطيع معظم الأسر والمزارعين الصغار تحمله في ظل انهيار القيمة الشرائية للعملة.
2. القطاع التجاري والخدمي…تلف المخزون وتآكل الأرباح: حيث يعاني القطاع التجاري من أزمة مزدوجة متمثلة في تلف مباشر للسلع نتيجة انقطاع سلاسل التبريد وتكاليف التشغيل البديلة باهظة الثمن ففي الأسواق الكبيرة بالخرطوم يواجه تجار اللحوم والمواد الغذائية خسائر يومية تقدر بنحو ٢٥ مليون جنيه سوداني جراء تلف البضائع في وقت تتجاوز فيه أسعار كيلو اللحم 40 ألف جنيه ، حيث يكشف تقرير لقناة بي بي سي عن واقع مأساوي لصاحب بقالة بمدينة بورتسودان حيث تحولت الثلاجات والمجمدات الممتلئة باللحوم والألبان إلى عبء يهدده بالإفلاس ليضطر لشراء ألواح الثلج التي قفز سعرها إلى 40 ألف جنيه للوح الواحد، بينما لا توجد حلول بديلة مجدية مع استمرار انقطاع التيار لأيام متصلة، فهذه التكاليف الإضافية تنعكس مباشرة على ارتفاع أسعار السلع الغذائية للمستهلك النهائي المغلوب على أمره وذلك يؤدي مباشرة إلى ارتفاع معدلات التضخم ويضعف القدرة والقوة الشرائية.
3. القطاع الصناعي…بين التوقف الكامل والهجرة القسرية: ونرى ذلك جليا في توقف خطوط إنتاج المصانع التي كانت تعتمد على الشبكة القومية بالكامل بينما اضطرت المصانع مع ندرتها ان تعمل بالمولدات إلى تحمل تكاليف تشغيلية بأرقام فلكية، فالاعتماد على المولدات التي يتراوح سعر شرائها بين 20 مليون جنيه كحد أدنى إلى ٥٠٠ مليون كحد اقصى مع تكلفة إيجار يومي قد تصل إلى ٣ مليون جنيه وهو السبب الذي جعل الإنتاج الصناعي غير مجدي اقتصاديا في كثير من القطاعات ،فهذا التوقف لا يعد خسارة لحظية انما يؤدي إلى فقدان حصص سوقية وتآكل القاعدة التصديرية، خاصة في السلع التي كانت تتمتع بميزة تنافسية مثل الصمغ العربي وبعض المنتجات الزراعية المصنّعة.

ثالثا: السياق الاقتصادي الكلي…انهيار العملة وتضخم التكاليف:
لا يمكن فهم حجم الكارثة دون وضعها في سياقها النقدي ، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29% عام 2023 ثم 14% أخرى عام 2024، بينما بلغ سعر الصرف في السوق الموازي 5,595 جنيه للدولار في أكتوبر 2025 فهذا التدهور النقدي أفقد كل الحلول البديلة فاعليتها إذ إن تكلفة استيراد المولدات وقطع غيارها وألواح الطاقة الشمسية تتضاعف مع كل انخفاض جديد في قيمة العملة، وعليه أصبحت المعادلة الاقتصادية لأي نشاط إنتاجي مشوهة تماما فحتى لو توفرت الكهرباء فإن كلفة الإنتاج ستظل مرتفعة مقارنة بالأسعار العالمية.

رابعا: الطاقة الشمسية…أمل مشروط ووعود غير مكتملة:
يمثل التوجه نحو الطاقة الشمسية المنفذ الوحيد الممكن حاليا لإنقاذ الإنتاج لكن التحديات التي تواجه هذا القطاع تكاد تكون بقدر تحديات الشبكة الوطنية حيث تشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الطاقة الشمسية باتت أرخص مصدر للطاقة في السودان بفارق كبير حيث أصبح تشغيل المضخات بالطاقة الشمسية أوفر بعشر مرات من تشغيلها بالجازولين ، كما أسهمت الطاقة الشمسية في الحفاظ على تشغيل شبكات الاتصالات التي تغطي نحو 80% من البلاد وإبقاء بعض الخدمات الصحية و التعليمية على قيد الحياة ولكن هذا الأمل يواجه جملة من التحديات و العقبات متمثلة في :
1. ارتفاع التكاليف الأولية بسبب انهيار العملة الأمر الذي يجعل الألواح والبطاريات في متناول الأقلية من الطبقة المقتدرة فقط .
2. نقص التمويل وغياب آليات الائتمان الميسرة للأفراد والشركات الصغيرة .
3. اختناقات الاستيراد والتوزيع حيث تواجه الشحنات تأخير لعدة شهور في ميناء بورتسودان ورسوما ولائية تعجيزية .
4. انتشار منتجات رديئة وغياب فنيين مؤهلين للصيانة ما يقوض ثقة المستهلكين .

خامسا: مقترحات الحلول القابلة للتطبيق في الوضع الراهن:
بناء على محاولتنا لتحليل الأزمة ومعطيات الواقع الاقتصادي السوداني، تقترح حزمة من الإجراءات مع ترتيبها بحسب الأولوية الزمنية علها تفيد في مسار اصلاح هذا القطاع الاستراتيجي الهام :
1. على المدى القصير :
– إنشاء صندوق للوصول إلى الطاقة الشمسية يستهدف الأسر الأكثر احتياجا والشركات الصغيرة والمزارعين على أن يكون التمويل عبر آليات مصرفية إسلامية ميسرة لتجاوز معضلة التكلفة الأولية .
– برامج تدريبية مكثفة للفنيين بالتعاون مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية لتأهيل كوادر محلية قادرة على التركيب والصيانة مما يوفر فرص عمل ويضمن استدامة المنظومات .
2. على المدى المتوسط :
– إنشاء هيئة مستقلة للطاقة المتجددة تكون مسؤولة عن تنظيم القطاع وتوحيد المواصفات وضمان الجودة وإصدار التراخيص
– تفعيل نموذج الطاقة كخدمة وذلك بالاستفادة من تجارب الأسواق الأفريقية المجاورة بحيث يدفع المستهلك مقابل الاستخدام دون تملك النظام وهو ما يقلل من مخاطر تقلبات العملة بالنسبة للمستثمرين .
– شبكات صغرى مجتمعية بالتعاون مع الجمعيات التعاونية والمؤسسات التمويلية الأصغر لإقامة منظومات شمسية مشتركة للأحياء السكنية، يتم تمويلها بأدوات مالية متوافقة مع التمويل التكافلي الاسلامي ويعاد سدادها من خلال عدادات الدفع المسبق .
3. على المدى الطويل:
– إعادة هيكلة قطاع الكهرباء الى اللامركزية والشراكة بين القطاعين العام والخاص وفصل أنشطة التوليد والنقل والتوزيع لزيادة الكفاءة وجذب الاستثمارات .
– ربط الطاقة بخطة إعادة الإعمار بحيث ينظر إلى الاستثمار في الكهرباء على أنه استثمار منتج وليس عبئ على الميزانية لأنه يحافظ على العملة الصعبة عبر تقليل الواردات من الوقود وزيادة الصادرات .

وفي خاتمة هذا المقال نخلص إلى أن انقطاع التيار الكهربائي في السودان لابعد أزمة تقنية عابرة انما تعتبر مقصلة اقتصادية تقطع رأس أي محاولة للإنتاج أو التعافي فقد أثبتت التجربة أن القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة والتجارة والصناعة لم تعد قادرة على الصمود في ظل هذا الظلام المستمر حيث تحولت تكاليف التشغيل البديلة إلى حاجز للدخول أمام صغار المنتجين وتسببت في تكل رأس المال العامل للشركات المتوسطة و أغرقت البلاد في تبعية استيرادية غير مسبوقة للوقود والمعدات البديلة، فإن المخرج الحقيقي من هذه الأزمة لا يكمن في انتظار عودة الشبكة الوطنية كما كانت وانما في اعتماد استراتيجية هجينة تدمج بين إعادة تأهيل البنية التحتية الكبرى في المناطق الآمنة والاستثمار الطموح الجاد في الطاقة الشمسية اللامركزية التي أثبتت جدواها وقدرتها على الصمود في وجه الأزمات، ولكن لتحقيق ذلك لابد من إرادة سياسية تعترف بأن الكهرباء ليست رفاهية بل هي العمود الفقري للسيادة الاقتصادية و الوطنية وأولى أولويات أي خطة إنقاذ وطني دون كهرباء ولا زراعة ولا صناعة ولا تجارة ودون هذه القطاعات تعبر خطة فاشلة ولا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي حقيقي في السودان الا بتحقيق نمو في هذا القطاع وتأهيله و تغيير نمط الإدارة و المفاهيم و طرق الحلول المستدامة .

،،،و الله المستعان،،،

المقالة السابقة

فيتو الرباعية على السودان: لماذا يُطالَب البرهان بإقصاء من قاتلوا معه؟ .. قراءةٌ في المعادلة الخارجية والداخلية لقرار إبعاد المؤتمر الوطني عن الحوار السياسي.. ومصير السودان بين مطرقة واشنطن وسندان أبوظبي .. د. خالد حسين محمد

المقالة التالية

سلسلة الحرب على السودان (42) قيسان والكرمك وشرق السودان: هل تعود الجبهة الإثيوبية إلى واجهة الحرب؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *