لم يذهب الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى صفحات ( فورين بوليسي) ليحكي للأمريكيين قصة الحرب السودانية فحسب، وإنما ذهب ليخوض معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الميدان معركة تعريف الحرب وتحديد أطرافها ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه السلام.
وقد نشر البرهان مقاله في 21 سبتمبر 2026 عشية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي لحظة يتصاعد فيها النقاش الدولي حول مستقبل السودان ولعل أهم ما في المقال أنه لا يطلب من العالم أن ( يصنع السلام للسودان )، وإنما يطلب منه شيئا مختلفا أن يساعد السودانيين على صناعة سلامهم بأنفسهم هذه ليست عبارة عاديه فالبرهان يدرك أن واحدة من أكبر مشكلات الملف السوداني خلال سنوات الحرب كانت أن السودان تحول إلى موضوع على طاولات الآخرين تعقد المبادرات في العواصم الخارجية وترسم خرائط التسوية خارج البلاد ثم يطلب من السودانيين أن يوقعوا على ما تم إنتاجه بعيداً عنهم لذلك جاءت العبارة المركزية في المقال ( Peace must there fore be homemade ) أي أن السلام ينبغي أن يكون صناعة سودانيه معركة المصطلحات ربما كانت أخطر رسائل المقال تلك المتعلقة بتوصيف الحرب فالبرهان يرفض أن تكون الحرب مجرد (صراع بين فصيلين) ويرفض وضع الدولة السودانية والدعم السريع في كفتين متساويتين سياسياً قانونياً، وهنا ينتقل الرجل من الدفاع عن موقف عسكري إلى الدفاع عن مفهوم الدولة فالرسالة الموجهة إلى واشنطن واضحة إذا كانت الولايات المتحدة تريد تسوية مستدامة فلا ينبغي أن تبدأ من افتراض أن هناك دولتين أو سلطتين متساويتين تتفاوضان على اقتسام السلطة وإنما من حقيقة وجود دولة ومؤسسات رسمية وقوة مسلحة موازية لها هذه النقطة هي قلب المقال كله، فالبرهان لا يريد مجرد وقف إطلاق النار يريد أن يكون وقف إطلاق النار بوابة لإعادة احتكار الدولة للسلاح ولهذا يطرح بوضوح مبدأ (جيش وطني واحد) يخضع للرقابة المدنية ويرفض استمرار الجيوش الموازية وتعدد مراكز القوة والتمويل.
الفاشر من المأساة الإنسانية إلى الحجة السياسية لم يكن اختيار الفاشر في المقال اعتباطيا فالبرهان يستخدم ما حدث في المدينة باعتباره دليلا على مخاطر التعامل مع الحرب بمنطق المساواة بين الأطراف وقد وثقت الأمم المتحدة بالفعل انتهاكات واسعة خلال سقوط الفاشر بينها أكثر من ستة آلاف حالة قتل في الأيام الأولى للهجوم وفق تقرير أممي صدر في فبراير 2026 كما خلصت بعثة تقصي الحقائق لاحقا إلى أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها حملت سمات الإبادة الجماعية، لكن قوة الحجة السياسية في المقال لا تأتي من عرض الفظائع وحدها وإنما من استخدامها للإجابة عن سؤال أكبر هل يمكن صناعة سلام دائم مع قوة مسلحة تحتفظ ببنيتها العسكرية المستقلة ومصادر تمويلها الخارجية؟
والبرهان يقول عمليا لا الرسالة الأهم أوقفوا الحرب من خارج السودان،
هنا يصل المقال إلى أكثر أجزائه أهمية بالنسبة إلى واشنطن فالبرهان لا يكتفي بالمطالبة بوقف القتال بل يطالب المجتمع الدولي بقطع مصادر التمويل والإمداد الخارجي التي تمكن الدعم السريع من الاستمرار وهذا الطرح يلتقي مع تحذيرات دولية حديثة من الدور الخارجي في إطالة الحرب فقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في سبتمبر 2026 إن دولاً خارجية توفر أسلحة لأطراف تستخدمها ضد المدنيين ودعا إلى مساءلة الدول التي تتدخل بهذه الطريقة وهنا يحاول البرهان نقل مركز المعركة من سؤال
كيف نجبر السودانيين على وقف الحرب؟
إلى سؤال آخر كيف نوقف البيئة الخارجية التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار؟
وهذا تحول سياسي مهم البرهان يخاطب أمريكا أكثر مما يخاطب السودانيين
عند قراءة المقال بعين سياسية يصعب اعتباره مقالا داخليا موجها للرأي العام السوداني إنه خطاب إلى واشنطن،
فالبرهان يريد أن يقول للإدارة الأمريكية أنتم تملكون أدوات الضغط التي لا يملكها السودانيون العقوبات والضغط الدبلوماسي وملاحقة شبكات التمويل والتأثير على الدول المتدخلة ودعم الأمم المتحدة لكن في المقابل هناك حد يجب ألا تتجاوزه واشنطن لا تكتبوا لنا دولتنا وهنا تتقاطع السيادة مع السياسة البرهان يقبل بالمراقبة الدولية ويقبل بالشراكة الدولية، بل يرى أن وجود مراقبين موثوقين يمكن أن يضيف المصداقية إلى أي اتفاق لكنه يرفض أن يتحول المراقب إلى وصي أو أن تتحول الوساطة إلى هندسة سياسية لمستقبل السودان وما بعد الحرب أهم من الحرب نفسها.
ربما تكون هذه أكثر النقاط التي تستحق النقاش في المقال فالبرهان لا يقدم السلام باعتباره مجرد هدنة، وإنما يربطه بأربع قضايا مترابطة وقف إطلاق النار تفكيك السلاح الموازي انتقال سياسي بمشاركة المدنيين، ثم انتخابات وهذا يعني أن المعركة في نظره ليست فقط حول من يسيطر على الخرطوم أو الفاشر أو كردفان
المعركة الحقيقية هي حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب هل تكون دولة لها جيش واحد؟ هل يكون السلاح حصرا في يد مؤسسات الدولة؟ هل تكون العملية السياسية سودانية؟ هل يكتب السودانيون دستورهم؟ وهل تكون الانتخابات هي الطريق النهائي إلى السلطة؟ هذه الأسئلة تجعل مقال البرهان أقرب إلى مشروع سياسي مختصر لما بعد الحرب منه إلى مقال عن وقف إطلاق النار لكن هناك سؤالا لا يستطيع المقال الهروب منه
إذا كان السلام (صناعة سودانية) فمن هم السودانيون الذين سيصنعونه؟
هذه هي الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل.
السودان ليس فقط الدولة ومؤسساتها وليس فقط القوى العسكرية وليس فقط القوى السياسية الموجودة في العاصمة هناك ملايين النازحين واللاجئين ومجتمعات دارفور، كردفان، والشرق، والوسط، والشمال، والقوى المدنية، والشباب، والنساء، والإدارات الأهلية، والضحايا، الذين فقدوا بيوتهم، وأسرهم ومصادر رزقهم،
لذلك فإن (السلام السوداني) لا ينبغي أن يعني فقط أن يكون مكان التوقيع سودانياً، بل أن تكون عملية صناعة السلام نفسها سودانية وواسعة التمثيل. وهنا تحديداً يمكن أن يتحول شعار البرهان من خطاب سياسي إلى مشروع وطني حقيقي
أن مقال البرهان في (فورين بوليسي) يمكن قراءته باعتباره محاولة لنقل النقاش الدولي حول السودان من ( كيف نوقف الحرب؟) إلى ( أي دولة نريد بعد الحرب؟ ) وهو في جوهره يقول للعالم
لا تساووا بين الدولة والمليشياولا تجعلوا الهدنة بديلاً عن السلام لا تمنحوا السلاح الموازي شرعية سياسية اقطعوا التمويل الخارجي للحرب ساعدوا الأمم المتحدة في مراقبة أي اتفاق ثم اتركوا للسودانيين حق كتابة دستورهم واختيار حكومتهم
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف طويلا البرهان لا يطلب من العالم أن يصنع السلام في السودان، وإنما يطلب منه أن يتوقف عن صناعة الحرب فيه ثم يترك للسودانيين مهمة صناعة السلام و وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق للمقال كله، فالسودان لا يحتاج إلى سلام يصنع في العواصم الأجنبية ثم يستورد إلى الخرطوم وإنما يحتاج إلى سلام سوداني المنشأ دولي الضمان وطني القرار مدني الأفق وقادر على معالجة السؤال الذي ظل يؤجل لعقود كيف نبني دولة لا تحتاج بعد اليوم إلى حرب جديدة كي تعيد تعريف نفسها؟

