ليست القضية اليوم قضية الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحده، ولا قضية السودان وحده، القضية أكبر من ذلك بكثير: هل تستطيع الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة أن تتحكم وفقاً لحساباتها السياسية في وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى المنظمة الدولية؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي تفرضه واقعة عدم إصدار الولايات المتحدة تأشيرة للرئيس السوداني لحضور اجتماعات الجمعية العامة، وبحسب تقرير لرويترز في 22 سبتمبر 2026 فإن واشنطن تحجب التأشيرة، فيما طلب المندوب السوداني من الأمين العام للأمم المتحدة التدخل، وقالت الأمانة العامة إن الأمين العام يشعر بقلق عميق إزاء عدم إصدارها، وإنها تواصلت مع السلطات الأمريكية. وكما أورد التقرير أن مصادر ربطت الأمر بمقترح أمريكي لوقف إطلاق النار في السودان، وهي رواية لم تؤكدها واشنطن رسمياً حتى الآن.
لكن بعيداً عن السياسة ماذا يقول القانون؟ ميثاق الأمم المتحدة نفسه يحمي استقلال المنظمة وممثلي الدول الأعضاء، فالمادة 105 تقرر أن المنظمة تتمتع بالامتيازات والحصانات اللازمة لتحقيق أغراضها، وأن ممثلي الدول الأعضاء يتمتعون بالامتيازات والحصانات اللازمة لممارسة وظائفهم بصورة مستقلة.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن الغاية من هذه الحماية هي ضمان قدرة المنظمة على أداء وظائفها باستقلال وفعالية.
لكن النص الأكثر مباشرة هو اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947 بين المنظمة والولايات المتحدة فالاتفاق لا يتعامل مع نيويورك باعتبارها مجرد مدينة أمريكية تستضيف مؤتمرا دولياً، وإنما يفرض التزامات على الدولة المضيفة تجاه المنظمة وممثلي الدول الأعضاء واتفاق المقر ما زال اتفاقاً دولياً نافذاً ومسجلاً لدى الأمم المتحدة. وهنا تكمن المسألة القانونية الدقيقة إذا كان ممثل دولة عضو متجها إلى مقر الأمم المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، فإن حق المنظمة في تمكينه من الوصول إلى مقرها لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للمساومة السياسية بين الدولة المضيفة والدولة التي يمثلها، والأخطر من ذلك أن السماح للدولة المضيفة باستخدام التأشيرة كوسيلة ضغط سياسي يخلق سابقة تتجاوز السودان، فاليوم السودان وغداً قد تكون دولة أخرى.
وهنا لا يعود السؤال لماذا مُنح البرهان التأشيرة أو لم يمنح؟ بل يصبح السؤال
هل مقر الأمم المتحدة أرض للمجتمع الدولي أم بوابة دولية تتحكم فيها الدولة المضيفة؟
إن جوهر الأمم المتحدة هو أن تجلس الدول المتنازعة على طاولة واحدة لا أن تمنح دولة لنفسها حق اختيار من يجلس إلى الطاولة وإذا كانت هناك خلافات سياسية أو اتهامات أو عقوبات أو نزاعات بين واشنطن والخرطوم فهذه مسائل يمكن أن تناقش داخل أجهزة الأمم المتحدة وفي إطار القانون الدولي أما تحويل الوصول إلى الجمعية العامة إلى ورقة ضغط سياسية فإنه يضعف مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء ويضرب الثقة في حياد المنظمة واللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها المشكلة فقد منعت الولايات المتحدة أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول أراضيها ما دفع الجمعية العامة في سبتمبر 2026 إلى السماح له بالمشاركة عبر الفيديو.
وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش الدولي الحقيقي: إذا أصبح مقر الأمم المتحدة في دولة واحدة يجعل تلك الدولة قادرة على التأثير في حضور ممثلي الدول فإن الوقت قد حان لمراجعة فكرة المقر نفسه ليس المقصود معاقبة الولايات المتحدة ولا إنكار دورها التاريخي في إنشاء المنظمة، وإنما حماية المنظمة من أي تضارب محتمل بين سيادة الدولة المضيفة واستقلال المؤسسة الدولية، فالأمم المتحدة يفترض أن تكون بيتا لكل الدول لا بيتاً تديره دولة واحدة.
وإذا عجز النظام الحالي عن ضمان ذلك، فلماذا لا يُفتح النقاش حول نقل مقر الأمم المتحدة إلى دولة تتمتع بوضع دولي محايد وتقبل بأن تكون الأرض التي تحتضن المنظمة أرضاً للمنظمة قبل أن تكون أرضاً للدولة المضيفة؟ قد يبدو السؤال اليوم بعيداً، لكن التاريخ يعلمنا أن المؤسسات الدولية الكبرى لا تبقى مقدسة إلى الأبد، وإنما تستمر بقدر ما تحافظ على ثقة المجتمع الدولي فيها الأمم المتحدة لا تحتاج إلى مقر أكبر، بل إلى مقر أكثر حياداً،
وإذا كانت تأشيرة الدخول إلى نيويورك يمكن أن تصبح أداة في الصراع السياسي، فقد آن الأوان لأن يسأل العالم: هل حان وقت البحث عن نيويورك أخرى للأمم المتحدة؟


