يأتي أكتوبر الوردي كل عام ليحمل رسالة تتجاوز التوعية بسرطان الثدي إلى مساحة أعمق، مساحة الإنسانة التي تقف أمام تجربة قد تغيّر الكثير من تفاصيل حياتها، وتضع أمامها مشاعر من الخوف والقلق والحزن والتساؤلات. فحين تسمع المرأة تشخيص سرطان الثدي، قد تشعر في اللحظة الأولى وكأن العالم توقف من حولها، وقد تتزاحم في ذهنها الأسئلة عن المستقبل، والعلاج، والأسرة والأبناء، وصورتها أمام نفسها والآخرين. وقد يكون الخوف من المجهول أحيانًا أشد قسوة من المرض نفسه، ولذلك فإن رعاية مريضة سرطان الثدي لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الطبي وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى رعاية نفسية وإنسانية تمنحها الأمان والطمأنينة وتساعدها على عبور هذه المرحلة بوعي وصبر وأمل.
إلى كل امرأة سمعت كلمة “سرطان”، تذكري أن هذه الكلمة لا تختصر حياتك، وأنك لستِ مرضًا ولا رقمًا في ملف طبي، بل أنتِ إنسانة كاملة لها أحلامها وذكرياتها وأحبتها وطموحاتها وحياتها التي تستحق أن تستمر. قد يكون الطريق صعبًا، وقد تأتي أيام تشعرين فيها بالتعب أو الخوف أو الحزن، وهذا لا يعني أنك ضعيفة؛ فالقوة ليست أن نمنع دموعنا أو نتظاهر بأننا لا نخاف، وإنما القوة الحقيقية أن نعترف بمشاعرنا، وأن نطلب المساندة عندما نحتاج إليها، وأن نواصل السير خطوة بعد خطوة.
ومن أهم ما تحتاج إليه المرأة في هذه المرحلة أن تتعلم كيف تتعامل مع أفكارها ومخاوفها. فلا تسمحي لعقلك بأن يعيش كل تفاصيل المستقبل دفعة واحدة، ولا تحمّلي نفسك همومًا لم تحدث بعد. عيشي يومك، والتزمي بخطتك العلاجية، وخذي المعلومات من الأطباء والمختصين وابتعدي عن القصص المخيفة والتجارب العشوائية التي قد تزيد القلق. وإذا شعرتِ أن الخوف أو الحزن أصبحا يسيطران على حياتك، فلا تترددي في طلب المساعدة من المختص النفسي؛ فالعلاج النفسي والدعم النفسي يمكن أن يكونا جزءًا مهمًا من رحلة التكيف مع المرض والعلاج.
وقد تساعد تقنيات العلاج المعرفي السلوكي على التعامل مع الأفكار السلبية واستبدال التفسيرات الكارثية بأفكار أكثر واقعية واتزانًا، كما يمكن أن تساعد تمارين التنفس والاسترخاء وتنظيم النوم والنشاط المناسب للحالة الصحية والتواصل مع الأشخاص الداعمين على تخفيف التوتر ومنح النفس قدرًا من الهدوء. وليس المطلوب من المريضة أن تكون قوية طوال الوقت؛ فمن حقها أن تتعب، ومن حقها أن تبكي، ومن حقها أن تقول “أنا خائفة” ، ومن حقها كذلك أن تجد من يسمعها دون أن يحكم عليها أو يقلل من مشاعرها.
والأسرة لها دور عظيم في هذه الرحلة، فالمريضة لا تحتاج فقط إلى من يسألها عن موعد العلاج أو نتيجة التحاليل، وإنما تحتاج إلى من يذكرها بأنها ما زالت هي الإنسانة نفسها التي يحبونها. تحدثوا معها عن الحياة، اضحكوا معها، شاركوها لحظاتها الجميلة، احترموا صمتها عندما تحتاج إلى الهدوء، ولا تجعلوا المرض يحتل كل مساحة الحديث. قولوا لها: “نحن معك”، “لن تكوني وحدك”، “خذي وقتك”، “من حقك أن تخافي”، فالكلمات الصادقة قد تكون في بعض اللحظات دواءً للروح.
وقد يكون تغير شكل الجسد من أكثر الأمور التي تؤثر في نفسية المرأة أثناء رحلة العلاج، خصوصًا عندما يتغير الشعر، أو الوزن، أو شكل الثدي أو تشعر بالإرهاق والتعب. وهنا يجب أن نتذكر أن قيمة المرأة لا تُختصر في شكل جسدها، وأن أنوثتها وإنسانيتها لا يحددها الشعر، أو الوزن أو ملامح الجسد. هذا الجسد الذي يتغير هو جسد يحاول أن يتعافى، ويستحق منها الرحمة والقبول بدلًا من القسوة واللوم.
وفي أكتوبر الوردي، يجب ألا يكون هدفنا أن نزرع الخوف في قلوب النساء، وإنما أن نزرع الوعي. الفحص المبكر والمتابعة الطبية والالتزام بتوجيهات المختصين أمور مهمة، لكن الوعي النفسي لا يقل أهمية؛ لأن المرأة التي تجد الدعم من حولها وتتعلم كيف تتعامل مع خوفها وتستمد قوتها من إيمانها ومن علاقاتها الداعمة تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط المصاحبة للمرض والعلاج.
إلى كل امرأة تخوض هذه الرحلة، لا تنظري إلى حياتك من خلال المرض وحده. نعم، هذه مرحلة صعبة، لكنها مرحلة من حياتك وليست حياتك كلها. قد تتعب الخطوات، وقد تطول بعض الأيام، وقد تمرين بلحظات تشعرين فيها أنك لم تعودي قادرة على الاحتمال، ولكن تذكري أنك لست مطالبة بأن تقطعي الطريق كله في يوم واحد؛ يكفي أن تخطوي اليوم خطوة، وغدًا خطوة أخرى.
اجعلي الأمل رفيقك، لا بمعنى أن نتجاهل صعوبة المرض أو نقدم وعودًا لا نملكها، وإنما بمعنى أن نؤمن بأن لكل يوم فرصته، وأن نتمسك بالعلاج، ونستعين بالله، ونقبل الدعم، ونعتني بأنفسنا، ونترك في قلوبنا مساحة للطمأنينة. فالأمل ليس إنكارًا للألم، بل قدرة على الاستمرار رغم الألم.
في أكتوبر الوردي، نرفع رسالة لكل امرأة: أنتِ لستِ وحدك، ومشاعرك مسموعة، وخوفك مفهوم، وتعبك مقدّر، وطلبك للمساعدة ليس ضعفًا. اعتني بجسدك، واهتمي بنفسك، وكوني قريبة ممن يمنحونك الأمان، وخذي علاجك من أهله ولا تسمحي للمرض أن يسلب منك حقك في الفرح والحياة.
ولكل أم، وزوج، وأخت، وابنة وصديقة تقف بجانب مريضة سرطان الثدي، تذكري أن وجودك قد يكون مصدر قوة لا تستطيع الأدوية وحدها أن تمنحه؛ كلمة طيبة، يد تمسك بيدها، ابتسامة صادقة، دعاء في الغيب، ووجود هادئ في لحظة الخوف، كلها رسائل تقول لها: “أنتِ لستِ وحدك.”
وفي النهاية، يبقى أكتوبر الوردي أكثر من لون؛ إنه رسالة رحمة ووعي ومساندة وأمل. رسالة تقول لكل امرأة تمر بهذه التجربة إن المرض قد يغير بعض تفاصيل الحياة، لكنه لا يستطيع أن يلغي قيمتها، ولا إنسانيتها ولا حقها في أن تحلم، وتحب، وتبتسم وتعيش.
إلى كل امرأة تخوض رحلة سرطان الثدي: أسأل الله أن يكتب لكِ الشفاء والعافية، وأن يربط على قلبك، ويمنحك القوة والطمأنينة، وأن يجعل بعد التعب راحة، وبعد الخوف أمانًا وبعد الألم عافية.
د. حنان درار


