Popular Now

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(11) .. الإسلاميون في السودان بعد الحرب العودة إلى السلطة أم المشاركة في إعادة بناء الدولة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | متلازمة ذات السلاسل ..و وهم احتكار المعرفة .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أفريقيا الوسطى … الألماس وقوس النار(4) | تقاطع استراتيجيات الدول في أفريقيا الوسطى .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية والامنية

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(11) .. الإسلاميون في السودان بعد الحرب العودة إلى السلطة أم المشاركة في إعادة بناء الدولة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
أعادت الحرب السودانية التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023م تشكيل المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي بصورة عميقة، وفتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة السودانية وطبيعة النظام السياسي القادم ودور القوى السياسية المختلفة في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن بين أكثر القضايا إثارة للنقاش مستقبل الحركة الإسلامية السودانية والقوى المرتبطة بها، والتي ظلت أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية، سواء عبر العمل الفكري والتنظيمي أو عبر مشاركتها المباشرة في إدارة الدولة خلال فترة حكم الإنقاذ الوطني.
وفي ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب، عاد الجدل مجدداً حول موقع الإسلاميين في السودان الجديد: هل تتجه هذه القوى إلى استعادة السلطة؟ أم أن الأولوية ستكون للمشاركة في مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها؟
أولاً: الحرب وإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني
لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل شكلت نقطة تحول كبرى أعادت ترتيب موازين القوى السياسية والاجتماعية داخل البلاد.
فقد تراجعت بعض القوى التي كانت تتصدر المشهد السياسي بعد عام 2019م، بينما برزت قوى أخرى بفعل التطورات الميدانية ومتطلبات إدارة الأزمة الوطنية.
كما أعادت الحرب الاعتبار لأهمية الدولة الوطنية ومؤسساتها السيادية، بعد أن أثبتت التجربة أن إضعاف المؤسسات النظامية أو تفكيكها يقود إلى مخاطر تهدد وحدة البلاد واستقرارها.
ومن هنا برزت الحاجة إلى مراجعات سياسية واسعة تشمل مختلف التيارات والقوى الوطنية.
ثانياً: الإسلاميون وإرث الخبرة في إدارة الدولة
يصعب تجاهل أن الحركة الإسلامية السودانية راكمت خلال ثلاثة عقود خبرات واسعة في إدارة مؤسسات الدولة.
فقد شاركت كوادرها في إدارة ملفات متعددة شملت:
– الإدارة العامة والخدمة المدنية.
– التعليم العالي والبحث العلمي.
– السياسة الخارجية والدبلوماسية.
– الاقتصاد والاستثمار.
– الأجهزة الأمنية والعسكرية.
– الحكم المحلي والإدارة الفيدرالية.
ويرى أنصار الحركة الإسلامية أن هذه الخبرات تمثل رصيداً وطنياً يمكن الاستفادة منه في مرحلة إعادة البناء.
وفي المقابل، يرى منتقدو التجربة أن أي دور مستقبلي للإسلاميين ينبغي أن يسبقه تقييم موضوعي لتجربة الحكم السابقة واستخلاص الدروس منها.
ثالثاً: بين العودة إلى السلطة والمشاركة الوطنية
من المهم التمييز بين مفهوم العودة إلى السلطة ومفهوم المشاركة في الحياة السياسية.
فالواقع السوداني بعد الحرب يختلف جذرياً عن واقع ما قبلها، كما أن التحديات التي تواجه الدولة أكبر من أن تعالجها جهة سياسية واحدة.
ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في بناء شراكات وطنية واسعة تضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية القادرة على الإسهام في استقرار البلاد وإعادة إعمارها.
وفي هذا السياق قد يكون دور الإسلاميين جزءاً من عملية سياسية وطنية أوسع، لا مجرد مشروع للعودة المنفردة إلى السلطة.
رابعاً: لماذا ما زال الإسلاميون حاضرين في المشهد؟
رغم المتغيرات السياسية التي شهدها السودان منذ عام 2019م، فإن الحركة الإسلامية ما زالت تحتفظ بحضور مؤثر لأسباب عدة، منها:
1. الامتداد المجتمعي
تمتلك الحركة الإسلامية قواعد اجتماعية واسعة في عدد من الولايات والقطاعات المهنية والمجتمعية.
2. الخبرة التنظيمية
تُعد من أكثر القوى السياسية السودانية خبرة في مجالات التنظيم والإدارة والعمل المؤسسي.
3. الكوادر البشرية
أفرزت التجربة عدداً كبيراً من الكفاءات في مختلف التخصصات العلمية والمهنية.
4. القدرة على التكيف
أظهرت الحركة الإسلامية خلال تاريخها قدرة ملحوظة على إعادة تنظيم صفوفها والتكيف مع المتغيرات السياسية.
خامساً: التحديات التي تواجه الإسلاميين
في المقابل، تواجه الحركة الإسلامية جملة من التحديات المهمة، أبرزها:
أولاً: استعادة الثقة
تحتاج الحركة إلى تعزيز جسور الثقة مع قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
ثانياً: تجديد الخطاب السياسي
تفرض التحولات الوطنية والإقليمية والدولية تطوير الخطاب السياسي بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ثالثاً: استيعاب الأجيال الجديدة
ظهرت أجيال شابة تحمل رؤى وتطلعات مختلفة، ما يستوجب مقاربات سياسية أكثر انفتاحاً ومرونة.
رابعاً: بناء التحالفات
تتطلب المرحلة المقبلة تعزيز الحوار الوطني وبناء شراكات سياسية واسعة تتجاوز الاستقطاب التقليدي.
سادساً: إعادة بناء الدولة أولوية المرحلة
بغض النظر عن طبيعة الترتيبات السياسية المقبلة، فإن المهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً تتمثل في إعادة بناء الدولة السودانية.
وتشمل هذه المهمة:
– إعادة الإعمار.
– إعادة النازحين واللاجئين.
– إصلاح الاقتصاد الوطني.
– استعادة الخدمات الأساسية.
– تعزيز سيادة القانون.
– دعم المؤسسات النظامية.
– تحقيق المصالحة المجتمعية.
وهي مسؤوليات تتطلب مشاركة جميع الكفاءات الوطنية دون استثناء.
سابعاً: دروس التجارب الإقليمية
تكشف تجارب دول عديدة أن استبعاد القوى السياسية ذات الامتداد الشعبي الواسع لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار.
وفي المقابل، فإن نجاح عمليات الانتقال السياسي يرتبط غالباً بقدرة الدول على استيعاب التنوع السياسي والفكري ضمن أطر دستورية وقانونية متفق عليها.
كما أن بناء الدولة الحديثة يحتاج إلى التوافق والحوار أكثر مما يحتاج إلى الإقصاء والمواجهة.
ثامناً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الإسلاميين
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: العودة عبر الانتخابات
إذا جرى التوافق على عملية سياسية مستقرة وانتخابات حرة، فإن صناديق الاقتراع ستظل الوسيلة المشروعة لتحديد الأحجام السياسية للقوى المختلفة.
السيناريو الثاني: المشاركة ضمن تحالف وطني
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل تعقيدات المرحلة الانتقالية واحتياجات إعادة الإعمار.
السيناريو الثالث: التركيز على إعادة بناء المجتمع
من خلال العمل الفكري والدعوي والاجتماعي والتنموي دون السعي المباشر إلى السلطة.
وقد تتداخل هذه السيناريوهات وفقاً للتطورات السياسية المقبلة.
تاسعاً: السودان بين دروس الماضي ومتطلبات المستقبل
لا يمكن للسودان أن يتجاوز أزماته دون قراءة موضوعية لتجارب الماضي والاستفادة من دروسها.
فالمرحلة القادمة تتطلب:
– تعزيز الوحدة الوطنية.
– بناء مؤسسات قوية ومستقلة.
– تحقيق التنمية المتوازنة.
– توسيع المشاركة السياسية.
ترسيخ سيادة القانون.
– حماية الدولة الوطنية من مخاطر التفكك والانقسام.
وهي أهداف تتطلب جهداً وطنياً مشتركاً من جميع المكونات السياسية والاجتماعية.

خاتمة
تكشف الحرب السودانية أن مستقبل البلاد لن يتحدد فقط بنتائج المواجهات العسكرية، بل بقدرة السودانيين على بناء مشروع وطني جامع يؤسس للاستقرار والتنمية ويعالج آثار الحرب.
وفي هذا الإطار، سيظل دور الإسلاميين، شأنهم شأن بقية القوى السياسية، مرتبطاً بمدى قدرتهم على التكيف مع المتغيرات الجديدة، وتقديم رؤى واقعية للمستقبل، والمساهمة في إعادة بناء الدولة السودانية على أسس من الشراكة الوطنية والتوافق المجتمعي.
ويبقى الحكم النهائي على مستقبل القوى السياسية المختلفة رهناً بإرادة الشعب السوداني وما ستفرزه العملية السياسية من خيارات وتوازنات خلال السنوات المقبلة.

د. الزمزمي بشير عبد المحمود
الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية | متلازمة ذات السلاسل ..و وهم احتكار المعرفة .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *