منذ الاستقلال لم يهزم السودان بسهولة… لكن السؤال الذي تأخر كثيراً هل كنا ننتصر فعلاً، أم أننا فقط أصبحنا بارعين في النجاة؟
ليست كل الدول تنهار حين تضعف حكوماتها:
● بعض الدول تمتلك مؤسسات تجعلها تستمر رغم سوء السياسة.
● وبعضها تمتلك اقتصاداً يمتص الصدمات.
لكن السودان امتلك شيئاً مختلفاً؛ امتلك مجتمعاً،
مجتمعاً واسع الصدر، شديد الاحتمال، سريع التكيّف قادر على إنتاج الحياة من قلب التعطل.
ولهذا نجا السودان كثيراً…وربما لهذا أيضاً تأخر إصلاحه كثيراً.
لأن السؤال الذي لم نسأله بجرأة منذ الاستقلال ليس: لماذا فشلت الحكومات؟
بل: كيف استطاع السودان أن يستمر رغم كل هذا؟
وهنا يبدأ أصل القضية.
حين خرج المستعمر لم يترك السودان فقيراً، ترك دولة ناشئة، لكنها تحمل عناصر بناء معتبرة: جهاز إداري، خدمة مدنية، سكك حديد، مشروعاً وطنياً قابلاً للنمو ونخبة متعلمة قادرة نظرياً على إدارة التحول.
لكن الدولة الوليدة ورثت سؤالاً أكبر من إمكانياتها: كيف تتحول الجغرافيا إلى وطن؟
ومنذ تلك اللحظة بدأ أول الاستنزاف.
في سنوات الديمقراطية الأولى لم تكن المشكلة غياب الوطنية.
كانت المشكلة أن السياسة سبقت الدولة.
دخلت الأحزاب إلى معركة السلطة قبل اكتمال معركة التأسيس وأصبح المجتمع يواصل حياته بينما تؤجل الدولة أسئلتها الكبرى.
ثم جاءت حقب الحكم العسكري بوعد الحسم، وفي كل مرة كانت الفكرة متشابهة: إذا كانت السياسة تربك الدولة… فلنُضعف السياسة.
لكن النتيجة المتكررة كانت مختلفة ضعفت السياسة، ولم تصبح الدولة قوية بما يكفي.
وفي الفراغ الذي نشأ تقدم المجتمع:
○ صار القريب ضماناً أكثر من المؤسسة.
○ وصارت العلاقات أسرع من القانون.
○ وصار الانتماء الاجتماعي أكثر فاعلية من الانتماء المدني.
ثم جاءت الديمقراطية الثانية تحمل معها أملاً جديداً، لكنها ورثت دولة أقل قدرة ومجتمعاً أكثر اعتماداً على نفسه.
وهنا بدأ التحول الصامت..
بدلاً من أن تعود الدولة إلى المجتمع، بدأ المجتمع يتعلم كيف يعيش بدون الدولة.
ثم دخل السودان عهد ثورة الإنقاذ، وهنا حدث التحول الأعمق. لم يكن الأمر مجرد مشروع سياسي طويل، بل إعادة تشكيل كاملة لطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة:
– توسعت الدولة شكلاً، لكن المجتمع حمل أعباء أكبر فعلاً.
– تعاظمت شبكات الولاء.
– وتقدمت الروابط غير الرسمية.
– وتعلم الناس مهارة النجاة الفردية.
– نجح السوداني في شيء استثنائي: أن يعيش داخل الدولة دون أن يعتمد عليها بالكامل.
وفي الظاهر بدت هذه قوة، لكنها كانت تحمل بذرة أزمة كبيرة لأن المجتمع كلما أصبح أكثر قدرة على التعويض أصبحت تكلفة تأجيل الإصلاح أقل على النخب.
ثم جاءت ديسمبر ٢٠١٨م،
ولأول مرة منذ زمن طويل بدا أن السودان لا يطالب بتغيير حكومة فقط، بل بإعادة تعريف الدولة.
خرج الناس لا لأنهم جاعوا فقط، بل لأنهم تعبوا من حمل وطن كامل على ظهورهم.
فكانت الرسالة واضحة لسنا بديلاً عن الدولة، لكن الانتقال نفسه دخل في حلقة قديمة.
النخب انشغلت مرة أخرى بإدارة السلطة والمجتمع عاد ليلعب دوره القديم: التحمل.
ثم جاءت الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، وفي الحرب ظهر أصل القضية كله دفعة واحدة؛
لم تختف الحياة، الأسر التي صمدت فتحت بيوتها، الأحياء نظمت نفسها، الناس تقاسمت الموارد وأعادت إرث (التكايا).
السوداني أثبت مرة أخرى أنه أصلب من الظروف، لكن السؤال المؤلم ظهر أكثر وضوحاً من أي وقت: إلى متى؟
إلى متى يظل المجتمع يؤدي وظيفة الدولة؟
إلى متى تتحول الأخلاق إلى مؤسسة؟
والتكافل إلى اقتصاد؟
والصبر إلى سياسة عامة؟
المشكلة لم تكن أن النخب السياسية استنزفت الإنسان السوداني فقط، ولا أن الإنسان السوداني فشل. المشكلة أن الطرفين دخلا عبر الزمن في معادلة خطيرة:
● كلما تراجعت الدولة، تقدم المجتمع.
● وكلما نجح المجتمع في سد الفراغ، تأجلت لحظة بناء الدولة.
ثم وقعنا في الوهم الأكبر،
اعتقدنا أن هذه ميزة وطنية وصار يُمدح السوداني بأنه يتحمل، وصار يُحتفى بقدرته على النجاة. نسينا أن الأمم لا تُقاس بقدرتها على الاحتمال، بل بقدرتها على تقليل الحاجة إلى الاحتمال.
وماذا بعد؟
التحدي الحقيقي بعد الحرب لن يكون إعادة بناء الجسور والطرق فقط، بل إعادة التوازن بين الدولة والمجتمع. فالمجتمع الذي أثبت قدرته على النجاة يحتاج اليوم إلى دولة تثبت قدرتها على الاستحقاق. والسؤال الذي سيحدد مستقبل السودان ليس: كيف صمد السودانيون؟ بل: كيف نبني دولة تجعل الصمود استثناءً لا ضرورة يومية؟
#أصل_القضية
السودان لم ينقصه شعب، ولم تنقصه الموارد ولم تنقصه البطولات. السودان استهلك أصلب ما فيه حتى ظن أن الصلابة لا تنفد، لكن حتى أصلب الشعوب لا ينبغي أن تحمل وطنها وحدها.
لقد أثبت السوداني أنه قادر على النجاة من الأزمات، لكن التحدي الوطني الأكبر اليوم هو الانتقال من ثقافة النجاة إلى ثقافة البناء.
الدولة التي تعتاد على قوة مجتمعها قد تستيقظ يوماً لتكتشف أنها استنزفت آخر ما كان يمنحها فرصة البقاء.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


