يُصادف اليوم العالمي للبيئة الخامس من يونيو من كل عام، وهو مناسبة عالمية يحتفل بها المهتمون بالبيئة والدول والمنظمات البيئية للتأكيد على أهمية حماية البيئة وصون مواردها الطبيعية للأجيال الحالية والقادمة. ويمثل هذا اليوم فرصة لتعزيز الوعي البيئي ودعم المبادرات التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين الإنسان والبيئة في إطار التنمية المستدامة.

إن الاهتمام بالبيئة يُعد ضرورةً ملحة، ولا يقل أهمية عن بقية مكونات المنظومة التنموية التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة. فالبيئة تمثل أحد الأبعاد الأساسية للتنمية إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية، حيث إن سلامة البيئة واستدامة مواردها تشكلان ركيزةً رئيسيةً لضمان استمرارية التنمية وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة. ومن ثم، فإن حماية البيئة وإعمارها يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من السياسات والخطط التنموية الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة الشاملة.
وفي السودان، ينبغي أن يكون هذا اليوم مناسبة لإحياء الممارسات البيئية السليمة التي تسهم في إعمار البيئة وحمايتها، وتعزيز مبادرات البصمة الخضراء من خلال التشجير، والمحافظة على الموارد الطبيعية والحد من التلوث، بما يساعد على تحسين المناخ وتحقيق التنمية المستدامة. ويكتسب هذا اليوم أهمية خاصة في السودان في ظل الآثار البيئية السالبة التي خلفتها الحرب، والتي أدت إلى تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي، بما في ذلك أجزاء من غابة السنط بالخرطوم، وقِس على ذلك العديد من المناطق الأخرى التي تأثرت بالحرب وإفرازاتها في مختلف أنحاء البلاد. الأمر الذي يستدعي تكثيف الجهود الوطنية لإعادة التشجير واستعادة النظم البيئية المتضررة وتعزيز الوعي بأهمية حماية البيئة وإعمارها.
ومن واجبنا جميعاً المحافظة على البيئة وحمايتها من كل ما يلوثها أو يدمرها، حتى نتمكن من العيش في بيئة آمنة وصحية ومستقرة. فالبيئة السليمة تشكل أساساً لصحة الإنسان ورفاهيته، في حين أن المشكلات البيئية تؤثر بصورة مباشرة على صحته الجسدية والنفسية وجودة حياته. ومن أبرز هذه المشكلات تلوث المياه والهواء والتربة، بالإضافة إلى التلوث الضوضائي الذي أصبح من التحديات البيئية المتزايدة في العديد من المجتمعات.
ومن أبرز مصادر تلوث البيئة المخلفات بمختلف أنواعها، سواء كانت منزلية أو صناعية أو طبية ناتجة عن المستشفيات والمراكز الصحية أو مخلفات الأماكن العامة والأسواق وغيرها. وتمثل هذه المخلفات تحدياً بيئياً كبيراً إذا لم تتم إدارتها والتعامل معها بصورة سليمة، لما تسببه من تلوث للهواء والمياه والتربة، فضلاً عن آثارها السلبية على صحة الإنسان والكائنات الحية.
ومن الجدير بالذكر أن هناك أنواعاً من النفايات تُصنَّف كنفايات خطرة، تتطلب قدراً عالياً من الحذر في التعامل معها، لما قد تشكله من تهديد مباشر لصحة الإنسان والبيئة إذا لم تُدار بصورة سليمة. ومن أمثلة ذلك مخلفات المصانع، والنفايات الطبية الناتجة عن المستشفيات والمراكز الصحية، والمواد الكيميائية الخطرة. وقد أضيف إلى هذه التحديات في السودان خلال السنوات الأخيرة نوع آخر من النفايات الخطرة يتمثل في مخلفات الحرب، بما تشمله من ذخائر غير منفجرة ومخلفات عسكرية ومواد ملوثة، الأمر الذي يستوجب وضع برامج متخصصة وآمنة للتعامل معها والتخلص منها حفاظاً على الإنسان والبيئة.
وتفرض مخلفات الحرب على السودان تحديات بيئية وتنموية كبيرة تتطلب استجابة وطنية عاجلة تشمل حصر المناطق المتأثرة وتطهيرها من الذخائر والمخلفات الخطرة، وإعادة تأهيل الأراضي والموارد الطبيعية المتضررة، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بمخاطر هذه المخلفات. ويُعد التخلص الآمن منها وإعادة تأهيل البيئة المتأثرة خطوة أساسية في مسار إعادة الإعمار واستعادة الأنشطة الاقتصادية والزراعية وتحقيق التنمية المستدامة.
ولا ينبغي النظر إلى النفايات باعتبارها عبئاً بيئياً فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى مورد اقتصادي مهم إذا ما أُحسن استغلالها وإدارتها وفق أسس علمية سليمة. فالنفايات تحتوي على موارد ذات قيمة اقتصادية يمكن الاستفادة منها في إنتاج الطاقة والسماد العضوي والمواد الخام المعاد تدويرها وغيرها من المنتجات التي يحتاجها المجتمع. ومن ثم، يمكن أن تتحول النفايات من مصدر للتلوث إلى مولد اقتصادي ضخم يسهم في توفير فرص العمل، ودعم الاقتصاد الوطني وتقليل الأضرار البيئية.
ومن هذا المنطلق برز مفهوم “صفر نفايات” (Zero Waste)، الذي يهدف إلى تقليل كمية النفايات المرسلة إلى المدافن أو المحارق إلى أدنى حد ممكن، من خلال إعادة الاستخدام وإعادة التدوير والاسترداد، وتحويل النفايات إلى موارد ومنتجات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية، بما يحقق الاستفادة القصوى من الموارد ويعزز مسارات التنمية المستدامة.
وللوصول إلى مفهوم “صفر نفايات” ينبغي تبني سياسات فعالة لإدارة المخلفات تقوم على تقليل إنتاج النفايات، وإعادة استخدامها، وإعادة تدويرها، والاستفادة منها كمورد اقتصادي بدلاً من اعتبارها عبئاً بيئياً. كما يمكن توظيف التقنيات الحديثة لتحويل النفايات إلى طاقة من خلال المدافن الصحية المجهزة لاستخلاص الغاز الحيوي، أو عبر وحدات معالجة النفايات ومحطات تحويل المخلفات إلى طاقة.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة نجاح هذا التوجه، حيث استطاعت السويد الاستفادة من نسبة كبيرة من نفاياتها في إنتاج الطاقة الكهربائية والتدفئة، كما طورت ألمانيا منظومة متقدمة لفرز وإعادة تدوير النفايات والاستفادة منها اقتصادياً، بينما اعتمدت اليابان على تقنيات حديثة لتحويل النفايات إلى طاقة وتقليل حجم النفايات المرسلة إلى المدافن.
وفي السودان، يمكن أن تمثل إدارة المخلفات وإعادة تدويرها فرصة حقيقية للمساهمة في حماية البيئة، وتوفير فرص عمل، وإنتاج الطاقة، ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب. كما يمكن أن تسهم هذه المشروعات في تحسين الصحة العامة، والحد من التلوث وتحويل النفايات من مشكلة بيئية إلى مورد اقتصادي يحقق قيمة مضافة للمجتمع.
إن الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لا ينبغي أن يقتصر على الكلمات والشعارات، بل يجب أن يتحول إلى برامج ومبادرات عملية ومستمرة تعزز ثقافة المحافظة على البيئة وتدعم جهود إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فالبيئة مسؤولية مشتركة، وحمايتها واجب وطني وأخلاقي وإنساني، كما أنها شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة.
وختاماً، فإن إعادة إعمار السودان لا تقتصر على إعادة بناء البنية التحتية والمنشآت التي دمرتها الحرب، بل تشمل أيضاً إعادة إعمار البيئة وحماية مواردها الطبيعية واستعادة توازنها البيئي. فالتنمية المستدامة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في بيئة ملوثة أو متدهورة، الأمر الذي يجعل من حماية البيئة واستدامتها مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين من أجل بناء سودان أخضر وآمن ومستدام للأجيال القادمة.


