حين يُطرح موضوع تمكين الشباب والمرأة في السودان، غالبًا ما يُتناول باعتباره ملفًا اجتماعيًا، أو حقوقيًا أو تنمويًا محدود الأثر. لكن القراءة الاستراتيجية العميقة تكشف أن المسألة أبعد من ذلك بكثير؛ إنها قضية أمن قومي في المقام الأول.
أولًا: التركيبة السكانية… معادلة لا تقبل الإهمال
السودان دولة يغلب على تركيبتها السكانية عنصر الشباب. وهذه الكتلة ليست مجرد رقم في إحصاءات، بل طاقة كامنة إما أن تتحول إلى قوة إنتاج واستقرار، أو إلى حالة إحباط وغضب وهجرة وصراع.
التاريخ القريب في العديد من الدول يثبت أن تجاهل تطلعات الشباب لا يؤدي إلى السكون، بل إلى الانفجار. فالفراغ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لا يبقى فراغًا؛ بل تملؤه الفوضى، أو الاستقطاب، أو الهجرة أو العنف.
ثانيًا: المرأة… نصف المجتمع وكل المستقبل
المرأة السودانية لم تكن يومًا هامشًا في المجتمع. كانت معلمة، وطبيبة، ومزارعة، وصاحبة مشروع صغير وعمودًا فقريًا للأسرة في أصعب الظروف. لكنها رغم هذا الحضور الفعلي، لا تزال بعيدة عن دوائر صناعة القرار بالمستوى الذي يعكس دورها الحقيقي.
تمكين المرأة ليس مجاملة ولا استجابة لضغط خارجي، بل ضرورة تنموية. فالدول التي رفعت من مساهمة النساء في الاقتصاد والسياسة شهدت قفزات في النمو والاستقرار الاجتماعي.
ثالثًا: الإقصاء يولّد عدم الاستقرار
حين يشعر الشباب بالتهميش، والمرأة بالإقصاء، تتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
والدولة التي تفقد ثقة جيلها الجديد تفقد مستقبلها تدريجيًا.
الأمن القومي لا يُبنى فقط بالدبابات والسلاح، بل ببناء الإنسان، وإشراكه وإشعاره بأنه شريك في صناعة المستقبل. الأمن الاقتصادي، والأمن الاجتماعي والأمن الثقافي، كلها دوائر مترابطة.
رابعًا: من منظور استراتيجي
إذا كنا نتحدث عن رؤية سودان 2025–2050، فلا يمكن أن نضع خطة تنموية دون أن يكون الشباب والمرأة في قلبها، لا على هامشها.
التمكين هنا يعني:
– تعليم نوعي مرتبط بسوق العمل.
– فرص اقتصادية عادلة.
– مشاركة سياسية حقيقية.
– بيئة قانونية منصفة.
– مسارات واضحة للقيادة.
إن الاستثمار في الشباب والمرأة هو الاستثمار الأعلى عائدًا والأقل كلفة مقارنة بكلفة الأزمات.
خاتمة
تمكين الشباب والمرأة ليس شعارًا مرحليًا، ولا ملفًا يمكن تأجيله لما بعد الاستقرار.
بل هو أحد شروط تحقيق الاستقرار ذاته.
السؤال الحقيقي ليس: هل نُمكّن؟
بل: كيف نُمكّن؟
وبأي أدوات؟
وفي أي إطار مؤسسي مستدام؟

