Popular Now

استطلاع رأي عام حول المظاهر المرتبطة بانتشار القوات المشتركة والقوات المساندة داخل المدن

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(17) | عودة التصعيد بين واشنطن وطهران وتداعياته على السودان: صراع الإرادات وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

حوكمة فرضية مشكلة السودان من خلال منهج الفرضيات والمتغيرات المستقلة والتابعة .. ياسر محمد رحمة دابي الليل .. الخبير والباحث في مجال الحوكمة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(17) | عودة التصعيد بين واشنطن وطهران وتداعياته على السودان: صراع الإرادات وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تكشف التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أن المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تصل إلى نهايتها، بل دخلت مرحلة جديدة تقوم على إدارة الصراع أكثر من حسمه عسكرياً.
فبعد جولات من التصعيد والتهدئة، عادت المواجهات إلى الواجهة مع تبادل الضربات واستهداف مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، وسط مؤشرات متزايدة على أن الطرفين يحاولان رسم قواعد اشتباك جديدة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تنهي حالة الصراع القائمة منذ أكثر من أربعة عقود.
وفي المقابل، تتزامن هذه التطورات مع استمرار الحرب السودانية، حيث تتداخل الملفات الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي بصورة متزايدة، مما يجعل السودان جزءاً من مشهد إقليمي واسع يتأثر بما يجري في الخليج، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أولاً: استهداف المصالح الأمريكية وعودة المواجهة المباشرة
أعادت الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران النقاش حول حدود القوة الأمريكية في المنطقة.
فوفقاً للمعطيات المتداولة، فإن استهداف أهداف أمريكية وقواعد عسكرية في الخليج أعاد التأكيد على أن أي مواجهة مستقبلية لن تظل محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل يمكن أن تمتد إلى شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
كما أن النقاش الذي دار حول مدى نجاح أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية في اعتراض جميع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية يعكس حقيقة مهمة مفادها أن مفهوم الردع التقليدي أصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه في العقود السابقة.
وأظهرت الأحداث أن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج العربي أصبحت جزءاً من معادلة الردع المتبادل، وليست مجرد منصات آمنة لإدارة العمليات العسكرية.
ثانياً: ترامب بين التصعيد والاحتواء
أبرزت التطورات الأخيرة تناقضاً واضحاً في مقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأزمة الإيرانية.
فمن جهة، صدرت تصريحات متشددة تؤكد الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية والضغط الاقتصادي.
ومن جهة أخرى، برزت مؤشرات متزايدة على رغبة الإدارة الأمريكية في منع توسع الحرب وتجنب الانخراط في مواجهة طويلة ومكلفة.
ويرى عدد من المحللين أن ترامب ينظر إلى الصراع من زاوية اقتصادية بالدرجة الأولى، حيث إن أي حرب واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي والأسواق الأمريكية.
ولذلك فإن واشنطن تحاول تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاستراتيجية بأقل تكلفة عسكرية ممكنة.
ثالثاً: إيران وترسيخ عقيدة الردع الجديدة
أظهرت الأزمة الأخيرة أن إيران تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على أن أي استهداف مباشر لأراضيها سيقابله رد مباشر على المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وقد تطورت العقيدة العسكرية الإيرانية بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة عبر:
– توسيع القدرات الصاروخية.
– تطوير أساطيل الطائرات المسيّرة.
– تعزيز الدفاعات الجوية.
– توسيع شبكات الحلفاء الإقليميين.
– زيادة الاعتماد على التصنيع العسكري المحلي.
وترى طهران أن نجاحها في الصمود أمام الضغوط والعقوبات والحروب غير المباشرة يمثل إنجازاً استراتيجياً حافظ على بقاء النظام السياسي والدولة الإيرانية.
رابعاً: قواعد الخليج بين الردع والهشاشة الأمنية
أعادت المواجهة الأخيرة تسليط الضوء على أهمية القواعد الأمريكية المنتشرة في البحرين والكويت وقطر والإمارات والعراق وسوريا.
فهذه القواعد تمثل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أهدافاً محتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة.
كما أظهرت التطورات أن أمن الطاقة والممرات البحرية لا يزال يشكل أولوية استراتيجية كبرى لواشنطن، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز وباب المندب.
ولهذا فإن أي تهديد لهذه الممرات ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
خامساً: السودان بين الحرب الداخلية والاستقطاب الإقليمي
في المحور السوداني، استمرت العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، بما فيها مناطق كردفان والدلنج ومحيط الفاشر.
وتشير التطورات إلى أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح مرتبطاً بمشاريع سياسية متنافسة حول مستقبل الدولة السودانية.
كما أثارت التقارير المتعلقة بطباعة عملة جديدة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع نقاشاً واسعاً حول مخاطر ظهور مؤسسات اقتصادية وإدارية موازية لمؤسسات الدولة الرسمية.
ويرى عدد من المراقبين أن استمرار هذه الظواهر قد يخلق تحديات إضافية أمام وحدة الدولة السودانية مستقبلاً.
سادساً: مسارات السلاح والعقوبات الأمريكية
عادت قضية إمدادات السلاح إلى الواجهة مجدداً مع تزايد التقارير التي تتحدث عن مسارات الدعم العسكري للأطراف المتحاربة.
وفي الوقت ذاته تواصل الولايات المتحدة مناقشة مشاريع قوانين وعقوبات جديدة تتعلق بالسودان.
غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن العقوبات وحدها نادراً ما تنجح في إنهاء النزاعات المسلحة، ما لم تترافق مع مسار سياسي متكامل يعالج جذور الأزمة.
كما أن تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف السوداني يجعل أي تسوية أكثر تعقيداً من مجرد إجراءات عقابية أو ضغوط سياسية منفردة.
سابعاً: هل تغيرت موازين القوى في المنطقة؟
تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يشهد تحولاً تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على توازنات متعددة الأطراف.
فإيران أثبتت قدرتها على الصمود والمناورة، وتركيا تواصل توسيع حضورها الإقليمي وروسيا والصين تراقبان المشهد وتسعيان إلى تعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي.
أما الولايات المتحدة فما زالت القوة الدولية الأكبر، لكنها أصبحت أكثر حذراً في الانخراط العسكري المباشر مقارنة بالعقود السابقة.
ومن هنا تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة تتحدد ملامحها وفق قدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة التنافس دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة.

الخاتمة
تكشف المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أن الصراع بين الطرفين لم يعد يدور فقط حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بشكل النظام الدولي وتوازنات القوة في الشرق الأوسط.
وفي السودان، تؤكد التطورات أن مستقبل البلاد سيعتمد بصورة أساسية على قدرة السودانيين على بناء توافق وطني يحافظ على مؤسسات الدولة ويمنع تفككها، بعيداً عن رهانات الخارج وصراعات المحاور الإقليمية.
وبين طهران والخرطوم تتجلى حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن صمود الدول لا يقاس فقط بقوتها العسكرية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك مؤسساتها ووحدة مجتمعها وإدارة علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالحها الوطنية العليا.
bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

حوكمة فرضية مشكلة السودان من خلال منهج الفرضيات والمتغيرات المستقلة والتابعة .. ياسر محمد رحمة دابي الليل .. الخبير والباحث في مجال الحوكمة

المقالة التالية

استطلاع رأي عام حول المظاهر المرتبطة بانتشار القوات المشتركة والقوات المساندة داخل المدن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *