كبم.. اقتتال الحلفاء واتساع رقعة التصدع
في كبم، اندلعت اشتباكات عنيفة بين بني هلبة والسلامات، وهما قبيلتان عربيتان داعمتان للدعم السريع، ووُصفت هذه المواجهات بأنها من الأعنف خلال الفترة الأخيرة. وما ضاعف خطورتها أن المقاتلين المنتمين إلى الدعم السريع انحاز كل منهم إلى قبيلته، واستخدموا الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة وعربات ومواتر الدعم السريع، بل وخاضوا القتال بزي الدعم السريع نفسه.
ومع انتقال مجموعات قتالية من الخوي وغبيش والنهود إلى جنوب دارفور لمساندة بني هلبة في كبم، مقابل حشد قبيلة السلامات لنحو خمسة آلاف مقاتل، بدت الصورة أقرب إلى تفكك شامل داخل الجسم القبلي الذي كان يُفترض أنه يمثل عماد التماسك.
المرتزقة الأجانب في مأزق البقاء أو الفرار
في خضم هذا المشهد، وجد المرتزقة الأجانب أنفسهم في مأزق وجودي حقيقي، بفعل جهلهم بجغرافية المنطقة وعجزهم عن صد أي هجوم متوقع من الجيش. فقد ألزمهم عبد الرحيم دقلو بالبقاء في مواقعهم، الأمر الذي دفعهم إلى الاستغاثة بحفتر، مطالبين بالتدخل لإنقاذهم وترحيلهم إلى ليبيا.
الضعين.. الفوضى تضرب معقل الحاضنة الأساسية
امتدت الفوضى إلى مدينة الضعين، مقر الحاضنة الأساسية للدعم السريع، قبيلة الرزيقات، حيث سادت أعمال النهب المسلح، وباتت حياة المواطنين مهددة في ظل غياب أي سلطة قادرة على فرض القانون أو كبح الانفلات الميداني.
انهيار التحالف مع الحركات المسلحة غير العربية
أما الركيزة الثالثة، والمتمثلة في التحالف مع الحركات المسلحة غير العربية، وعلى رأسها التحالف مع عبد العزيز الحلو، فقد تعرضت هي الأخرى لانهيار واضح. ففي يناير 2026 اندلعت اشتباكات بين قوات الدعم السريع ومليشيا الحركة الشعبية في جنوب كردفان، على خلفية تبادل الاتهامات بالخيانة والتخابر مع الجيش، وذلك في سياق معارك الدلنج وهبيلة بعد فك الحصار عن مدينة الدلنج يوم 26 يناير. وقد أدى هذا الخلاف إلى فشل المليشيا في التقدم نحو كادقلي، ودفع عبد الرحيم دقلو إلى سحب مجموعات قتالية كانت تعمل معها وإعادتها إلى الفولة، بما كشف هشاشة هذا التحالف، وأكد انتقال المليشيا من مرحلة الهجوم إلى مرحلة إدارة الانهيار.
جبال النوبة ترفض النفوذ المفروض
في جبال النوبة، قادت احتجاجات واسعة إلى رفض محاولات مليشيا الدعم السريع خلق نفوذ عسكري وسياسي داخل كاودا والتدخل في الشؤون الداخلية للإقليم. وأجبرت هذه الاحتجاجات قيادات الحركة على طرد الضابط المليشيوي المعروف بـ”بلة” من كاودا، وهو ما لاقى ارتياحًا واسعًا داخل الأوساط الأهلية والسياسية، وعكس بوضوح الرفض المبدئي للتحالف مع المليشيا.
النيل الأزرق.. صراع السيطرة وتفكك الشراكة
أما في النيل الأزرق، فقد دار صراع بين البيشي، قائد قوات الدعم السريع هناك، وقوات الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، حول السيطرة على قيادة قطاع النيل الأزرق والمناطق الحدودية. وتصاعد الصراع عقب انسحاب جوزيف توكا من سالي، ما أدى إلى هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت تمركزات قوات البيشي، وتسبب في موجات نزوح واسعة من قيسان وباو.
ثم جاء كمين الجيش السوداني في منطقة البركة، حيث استدرج عناصر الدعم السريع ومنحهم نصرًا وهميًا قبل أن يطبق عليهم بالكامل، ليضيف مؤشرًا جديدًا إلى حجم التآكل الذي أصاب هذا التحالف.
من إدارة الحرب إلى إدارة الانهيار
خلاصة المشهد أن الركائز الثلاث التي قام عليها الدعم السريع قد انهارت جميعًا: الحافز الاقتصادي تآكل، والتماسك القبلي تفكك، والتحالفات العسكرية تصدعت. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك استسلامات واسعة وسط المجموعات والقيادات المؤثرة، وشبه انهيار كامل داخل المليشيا.
وتعود أسباب هذا الانهيار إلى طول أمد الحرب، والخسائر الفادحة في الأرواح والأموال والممتلكات، إلى جانب غياب الرؤية السياسية وانسداد الأفق، بما ألقى بظلاله الثقيلة على تماسك جميع الأطراف.
الاستسلامات الواسعة.. المؤشر الأوضح على السقوط
يعزز هذا التقدير ما أعلنه أحمد بكار، المنشق عن مليشيا الدعم السريع ووزير المالية الأسبق بولاية شرق دارفور، في 25/5/2026، حين تحدث عن تصدع داخلي عميق وانهيار يضرب صفوف المليشيا، مؤكدًا أن الخلافات البينية المتسارعة أدت إلى تفكك القيادة المركزية، وإلى تخبط واضح في إدارة الملفات العسكرية والسياسية، كما أشار إلى أن حكومة تأسيس أصيبت بتفكك كامل وعجز تام عن إدارة الأزمات أو تقديم الخدمات للمواطنين، بما يجعله، بحسب وصفه، مؤشرًا قويًا على قرب السقوط النهائي.
كيف كتب الدعم السريع نهايته بيده
بعد أن فقد الدعم السريع المال، والغنائم، والتماسك القبلي، وبريق السلطة، لم يعد أمامه سوى حصاد ما صنعته يده. وهكذا، فإن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد أزمة عابرة داخل المليشيا، بل مآلًا منطقيًا لبنية تأسست على الهشاشة، والعنف والمصالح المؤقتة. وبعد الله سبحانه وتعالى، والقوات المسلحة والشعب السوداني، يكون الدعم السريع قد كتب نهايته بيده.


