Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6172 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. حملة ضخمة جدا ، للدفاع عن معتقل ، نتمني ان تمتد ، للدفاع عن كل المواطنين المهضومة حقوقهم

عندما فقدت الكرة السودانية ذاكرتها .. عادل الرفاعي ابوالحسن

حين يصبح السؤال: أي سودان نريد؟ .. قراءه في استطلاع مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام .. حول مستقبل مجلس السيادة .. د.ماجدة مطر يعقوب

حين يصبح السؤال: أي سودان نريد؟ .. قراءه في استطلاع مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام .. حول مستقبل مجلس السيادة .. د.ماجدة مطر يعقوب

ليست الأمم في منعطفاتها الكبرى أحوج إلى شيء حاجتها إلى بصيرة ترى ما وراء الحدث، وعقل يقرأ ما تحت السطح، وإرادة تميز بين ضجيج اللحظة وصوت التاريخ. فالأوطان لا تتشكل مصائرها بما يقع فيها فحسب، وإنما بالطريقة التي تفهم بها ما وقع، وبقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة إلى حكمة، والانتصار إلى بناء، والأزمة إلى فرصة لمراجعة الطريق.
والسودان اليوم يقف عند واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا يكفي فيها أن نسأل: ماذا حدث؟ ولا حتى: من انتصر ومن خسر؟ بل يصبح السؤال الأجدر بالمستقبل: أي دولة نريد أن تنهض من بين ركام هذه الحرب؟
ذلك هو السؤال الذي تتقاطع عنده، على اختلاف زواياها، موضوعات هذا العدد من اتجاهات الرأي العام. فالحديث عن مستقبل مجلس السيادة ليس في جوهره حديثا عن مؤسسة بعينها، بقدر ما هو حديث عن شكل السلطة ومصدر شرعيتها ووظيفتها وحدودها وعلاقتها بالمواطن. والنقاش حول العملية السياسية ليس بحثا عن مقاعد جديدة في بناء قديم، وإنما امتحان لقدرتنا على مغادرة دائرة التسويات المؤقتة إلى رحابة المشروع الوطني الذي يبني المؤسسات ولا يكتفي بإعادة توزيع المواقع.
لقد عانى السودان طويلا من سياسة تنشغل بمن يحكم أكثر مما تنشغل بكيف يحكم، ومن تنازع حول السلطة سبق الاتفاق على الدولة، حتى أصبحت بعض مؤسسات الانتقال ابنة للتوازنات أكثر من كونها ثمرة لرؤية وطنية مستقرة. وهو ما تناقشه صفحات هذا العدد عند مراجعة مسار العملية السياسية منذ عام 2019 وما صاحبها من اضطراب في البناء المؤسسي وتعثر في استكمال هياكل الانتقال.

ومن هنا تكتسب قضية الشرعية مكانها المركزي في هذا العدد. فالشرعية ليست نصا يكتب ثم يطوى، ولا منصبا تمنحه ترتيبات السياسة إلى الأبد؛ إنها رصيد يومي من الثقة، يتراكم حين تنجح المؤسسة في خدمة الناس، ويتآكل حين تعجز عن الوفاء بوظيفتها. وقد تصنع النصوص شرعية النشأة، لكن الأداء وحده هو الذي يمنح المؤسسات شرعية البقاء. فالخبرة التاريخية للدول الخارجة من الحروب تؤكد أن انتهاء الصراع لا يعني تلقائيا قيام الاستقرار، وأن المؤسسات الجديدة لا تصبح مستدامة إلا حين تقترن بالقبول المجتمعي والثقة والقدرة على الإنجاز.

ولعل استطلاع مستقبل مجلس السيادة، الذي يحتل مساحة محورية في هذا العدد، يقدم نموذجا بالغ الدلالة على تعقيد المزاج السوداني في هذه اللحظة. فالأرقام لا تمنح تفويضا مطلقا للاستمرار، كما أنها لا تمنح شيكا مفتوحا للتغيير؛ بل تكشف مجتمعا يفكر، ويوازن بين الرغبة في التجديد والخشية من الفراغ، وبين الحاجة إلى قيادة أكثر فاعلية والحرص على ألا تتحول إعادة بناء السلطة إلى باب جديد للصراع. ولهذا ربما كانت الدلالة الأعمق في النتائج أن غالبية معتبرة تشترط توافقا وطنيا واسعا قبل الإقدام على تغيير بهذه الحساسية.

وهنا تحديدا تظهر قيمة الرأي العام.فالرأي العام ليس زينة تضاف إلى القرار بعد اتخاذه، ولا رقما يستدعى حين يوافق هوى السياسي ثم يهمل حين يخالفه. إنه أحد مرايا المجتمع التي يرى فيها صانع القرار ما قد تحجبه عنه أروقة السلطة، وما قد تخفيه أصوات النخب الأعلى ضجيجا.
فالاستطلاع العلمي لا يصنع رأيا، ولا يمنح شرعية، وإنما يكشف ما هو موجود في وجدان المجتمع. وهو بهذا المعنى لا يحل محل المؤسسات الدستورية ولا التوافق السياسي، ولكنه يضع أمامهما معرفة لا يجوز تجاهلها. وهذه إحدى الرسائل المنهجية الواضحة التي يحملها العدد: أن صناعة القرار الرشيد تحتاج، إلى جانب الرؤية السياسية، إلى معرفة علمية باتجاهات المواطنين ومستويات الثقة ومصادر القبول والتحفظ تجاه الخيارات المطروحة.

غير أن سؤال الدولة لا ينتهي عند هندسة مؤسسات الحكم. فثمة سؤال أشد إلحاحا: كيف نربح السلام بعد أن نربح الحرب؟
إن استرداد الأرض ضرورة سيادية، وانتصار الدولة على التمرد شرط لاستعادة هيبتها، ولكن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا قد تخضع للقوة بينما تبقى النفوس بعيدة عن الدولة. ولهذا يطرح هذا العدد، بشجاعة فكرية مطلوبة، ضرورة التمييز بين هزيمة المشروع المسلح وبين معالجة البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجت الصراع؛ لأن السلام الذي لا تعضده العدالة والمصالحة واستعادة الثقة قد يصبح مجرد هدنة طويلة بين حربين.

وهكذا يلتقي في صفحات العدد السياسي بالعسكري، والدستوري بالمجتمعي، والداخلي بالإقليمي، والرأي العام بصناعة القرار. وحتى علاقة السودان بمحيطه الإقليمي لا تقرأ هنا بمنطق الحضور والغياب وحده، وإنما بمنطق المصلحة الوطنية؛ فالمؤسسات الإقليمية ساحات للتأثير في ملفات تمس السودان مباشرة، من أمن الحدود والهجرة والتجارة إلى الأمن الغذائي والإنذار المبكر والسلام والأمن.
ولعل الرسالة التي تجمع هذه الخيوط جميعا هي أن سودان ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد السودان الذي كان قبلها بعد ترميم ما تهدم.
فالحرب، على فداحة ثمنها، كشفت مواطن الخلل في السياسة والدولة والمجتمع، ووضعت أمام السودانيين فرصة قاسية لإعادة النظر في كثير مما حسبناه زمنا من المسلمات. ومن الظلم لكل هذه التضحيات أن تنتهي الحرب فنعود إلى الأسباب ذاتها التي صنعت أزماتنا: دولة تتنازعها مراكز القرار، وسياسة تستنزفها الخصومات، ومؤسسات تتقدم فيها التسويات على الكفاءة، ومواطن يستدعى اسمه في الخطب ويغيب صوته عند صناعة الخيارات.
إننا نحتاج إلى دولة تسبق فيها المؤسسة الشخص، والكفاءة الولاء، والمصلحة الوطنية المحاصصة، والقانون القوة، والمعرفة الانطباع. دولة لا تخشى اختلاف أبنائها، وإنما تحسن إدارته؛ ولا تجعل التنوع سببا للانقسام، وإنما مصدرا للثراء والقوة؛ ولا تبحث عن سلام يسكت البنادق فحسب، وإنما عن سلام يعيد بناء الثقة بين السوداني والسوداني، وبين المواطن والدولة.
وتلك، في تقديرنا، ليست مهمة الحكومة وحدها، ولا القوات المسلحة وحدها، ولا القوى السياسية وحدها، ولا النخب الأكاديمية والإعلامية وحدها؛ إنها مسؤولية وطن كامل، لأن الدولة التي نبحث عنها لن يصنعها طرف منتصر لذاته، وإنما يصنعها شعب ينتصر لوطنه.
وفي اتجاهات الرأي العام نؤمن أن أول الطريق إلى تلك الدولة هو أن نعرف قبل أن نحكم، وأن نقيس قبل أن نقرر، وأن نصغي قبل أن نتحدث. فالدولة التي تعرف ما يفكر فيه مواطنوها أقدر على مخاطبتهم، والدولة التي تقرأ اتجاهات مجتمعها أقدر على استباق أزماتها، وصانع القرار الذي يستند إلى المعرفة أقل عرضة لأن تفاجئه التحولات الكامنة تحت هدوء السطح. وهذه الفلسفة هي التي تجعل استطلاع الرأي أداة من أدوات الحوكمة والتخطيط، لا مجرد نشاط إعلامي موسمي.
.
إن السودان لا يقف اليوم أمام مفترق بين بقاء مجلس أو حله فحسب، ولا بين صيغة حكم وأخرى، وإنما أمام مفترق أكبر: إما أن نعيد إنتاج الدولة التي صنعت أزماتها، وإما أن نصنع من دروس الحرب بداية لدولة تتعلم من تاريخها ولا تعيده.
وحين تبلغ الشعوب هذا النوع من المفترقات، لا يعود السؤال: من سيحكم السودان؟
بل يصبح السؤال الذي ينبغي أن يعلو فوق كل سؤال:
كيف نبني سودانا يستحق كل الذين دفعوا من أجله، وكل الذين ينتظرون العودة إليه، وكل الذين لم يولدوا بعد وسيكون لهم علينا حق السؤال: ماذا صنعتم لنا حين أتيحت لكم فرصة البدء من جديد؟

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان (39) حرب البقاء وتغيّر أدوات المعركة: هل دخل الجيش مرحلة استنزاف الدعم السريع؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

المقالة التالية

عندما فقدت الكرة السودانية ذاكرتها .. عادل الرفاعي ابوالحسن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *