مكة ليست مجرد مدينة تُزار أو تُذكر في الكتب، بل هي مركز كوني تتجه إليه القلوب قبل الأقدام. من كل فج عميق، يشد الناس الرحال إليها، لا بدافع الواجب الديني فحسب، بل بدافع الشوق والانجذاب الروحي العميق الذي لا يمكن تفسيره بمنطق الزمان والمكان. في مكة، تتجلى خصوصية نادرة قدرة عظيمة على احتواء الإنسان دون أن تُفقده خصائصه أو تُلغيه. وهنا يكمن سر التعلّق الذي لا ينفك يتجدد مع كل جيل، ومع كل زائر.
مكة مدينة لا تبتلعك، بل تحررك.
ما يميز مكة عن سواها من المدن أنها لا تسعى إلى تشكيلك على طريقتها، بل تتيح لك أن تكون كما أنت. لا تُشترط عليك ثقافة معينة، أو لغة محددة أو مظهر موحّد، ومع ذلك تذوب في رحابها، لا ذوبان تلاشي، بل ذوبان تحوّل. تدخلها بهويتك، وتخرج منها بروح أرقى وأنقى.
هذا ما يجعل من مكة مركزًا للاحتواء العابر للحدود والاختلافات، فهي تحتضن العربي والأعجمي، الغني والفقير، الرجل والمرأة، المتعلم والأمي، دون أن يشعر أي منهم بالغربة أو النقص. في هذا التوازن الدقيق بين التنوّع والوحدة، يكمن سر الجاذبية وسر التعلّق العميق.
التحرر من الزمان والمكان
في مكة، لا تشعر أنك في عام معين أو زمن محدد، لأن الطقوس التي تُمارس فيها تُعيدك إلى جذور الإنسانية الأولى، الطواف كما طاف إبراهيم، والسعي كما سعت هاجر والوقوف كما وقف النبي –صلى الله عليه وسلم– .هذه التجربة الزمنية المتحررة من الحداثة تُنشئ شعورًا فريدًا بأنك متصل بجميع من مروا من هنا، وأنك مجرد خيط في نسيج بشري ممتد عبر القرون.
مكة إعادة صياغة الروح
مكة ليست مكانًا، بل حالة. حالة من السلام، والتحرر والانجذاب. وسرها أنها لا تُخضعك، بل تعيدك إلى نفسك، إلى صفائك الأول. هي المكان الوحيد الذي لا تخرج منه كما دخلت. وهذا ما فهمه الأفارقة جيدًا، حين سافروا إليها بأجسادهم، لكنهم كانوا يطلبون منها شيئًا أعمق؛ ولادة جديدة.
منى… حين بكت السماء وارتجف الحجر
في صباح العيد، حيث كانت الأرواح تتهيأ لذكر الله، والقلوب معلّقة بين الرجاء والدمع، وقعت الفاجعة. لم تكن حجارة منى تعرف أن ذلك اليوم سيحمل على ظهره أرواحًا طاهرة جاءت من أطراف الأرض لا تطلب سوى القرب من الله، فإذا بها تصعد إليه.
كان الحجيج يسيرون بقلوبهم قبل أقدامهم، يتوسلون القبول، فإذا بالزحام يُغلق الطريق بين الحياة والدعاء. سقط البعض، ووقف البعض، وارتفعت أرواح كثيرة لم تكد تنهي التلبية، حتى استجيبت دعوتها في عرش الرحمن. لم تكن مأساة فقط، بل كانت ارتقاءً جماعيًا مهيبًا، حفلة شهداء لبّوا نداءً فوق نداء الأرض.
في تلك اللحظة، سكنت الدنيا، وبكت الكعبة من بعيد وترددت أصداء (لبيك اللهم لبيك) لا من الحناجر، بل من الأرواح الصاعدة. لم تكن الحادثة حادثًا عابرًا، بل امتحانًا لسكينة الروح حين تفيض، وتغادر في المكان الذي أحبت، وفي الزمان الذي اختاره الله وحده.
في منى، اختلط الزحام بأشواق الروح، وذابت الدنيا في وجه الآخرة، وسُطرت صفحة لا تُنسى في سفر التوبة، حيث نال قوم الشهادة دون سيف ولا سلاح، بل بنية الطاعة ومن بين الشهداء الحاجة (زينب يوسف العوض)، فطوبى لمن ختمت له الحياة في موسم الغفران، في لحظة مناجاة، على أرض مباركة، في أيام هي من أعظم أيام الله.
فكان ارتجاع النداء وارتجاف السماء هي ذات الحجارة في منى تصرخ بما شهدته من يقين إبراهيم وصوت الملائكة تضرع إليى الله أن يفدي إسماعيل وتبقي تلك الحظة يتردد صداها بين جبال منى فما بين إبراهيم وإسماعيل واليوم ذات الأيام تدور دورتها عبر الزمان.
مكة .. مدينة الاحتواء وأسرار التعلّق من ذاكرة حج – 1436 .. زهير عبدالله مساعد
المقالة السابقة


