Popular Now

سلسلة مقالات استراتيجية(2) عندما يتآكل مركز ثقل مليشيا الدعم السريع بعد هزيمته فى محور شمال كردفان (2) .. د.اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

مسارات.. انتصارات الجيش السوداني… إرادة وطن تصنع التحول وتعيد رسم خريطة الميدان .. د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة | مبارك الفاضل وأمن المياه… إبراهيم شقلاوي

البراغماتية الوطنية: مدخل ضروري لإنقاذ السودان من دوامة الانتكاسات .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني .. أستاذ الإدارة والتنمية ومستشار التدريب

من يقرأ تاريخ الأمم يدرك أن الشعوب لا تنهض بالأماني وحدها، ولا تتعافى من أزماتها بمجرد تكرار الشعارات، وإنما تنهض حين تمتلك القدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما تتمنى أن يكون. ولعل السودان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النوع من التفكير الذي يُعرف في الأدبيات الفكرية والإدارية بالبراغماتية؛ أي التعامل مع الوقائع بمنطق النتائج والمصالح العامة والحلول الممكنة.

لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً للصراعات السياسية والاستقطابات الفكرية والحروب المتكررة التي استنزفت الإنسان والموارد والمؤسسات. وفي كل مرة تتجدد الأزمة نجد أنفسنا ندور في الحلقة ذاتها، نعيد إنتاج الخلافات نفسها، وننتظر نتائج مختلفة. وهذه مفارقة تخالف أبسط قواعد العقل والإدارة الرشيدة.

إن البراغماتية التي يحتاجها السودان ليست انتهازية سياسية ولا تنازلاً عن القيم الوطنية، وإنما هي منهج تفكير يقوم على تغليب المصلحة العامة، والبحث عن المشترك الوطني، وتقديم الممكن النافع على المثاليات التي يصعب تحقيقها في الواقع المضطرب. فالدول الناجحة لم تتقدم لأنها خالية من الخلافات، بل لأنها تعلمت كيف تدير خلافاتها دون أن تدمر أوطانها.

لقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة أن الإصرار على الحلول الصفرية لم ينتج سوى مزيد من الانقسامات، وأن لغة التخوين والإقصاء لا تبني دولة ولا تصنع مستقبلاً. لذلك فإن الحكمة تقتضي الانتقال من ثقافة الصراع إلى ثقافة التوافق، ومن عقلية تسجيل الانتصارات السياسية إلى عقلية صناعة الإنجازات الوطنية.

ومن منظور تنموي، فإن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع وطني واقعي يركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الأمن والاستقرار، وإنعاش الاقتصاد، والاستثمار في التعليم ورأس المال البشري، بدلاً من استنزاف الطاقات في معارك لا رابح فيها. فالأمم لا تقاس بحجم خلافاتها، بل بقدرتها على تجاوزها.

لقد علمتنا التجارب الإنسانية أن العاقل ليس من يكرر الأخطاء، وإنما من يتعلم منها. وفي هذا المعنى فإن استمرار إنتاج الأسباب نفسها التي قادت إلى الحروب والانهيارات لن يقود إلا إلى النتائج نفسها. أما الطريق إلى المستقبل فيبدأ بالاعتراف بالواقع، والتعامل معه بعقل منفتح، وإرادة وطنية صادقة تبحث عن الحلول لا عن الخصوم.

إن الضمير السوداني مدعو اليوم إلى مراجعة عميقة، تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، والمستقبل فوق الماضي، والإنجاز فوق الجدل. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بقدر ما يحتاج إلى عقول راجحة تدرك أن بناء الأوطان عمل تراكمي طويل، وأن الواقعية الواعية أصبحت ضرورة وطنية لا خياراً فكرياً.

خاتمة

إذا كانت الحروب قد علمتنا شيئاً، فهو أن الأوطان لا تُبنى بالعناد، وأن الشعوب لا تتقدم بالاستقطاب، وأن المستقبل لا يصنعه أسرى الماضي. لذلك فإن البراغماتية الوطنية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لإنقاذ السودان وإعادته إلى مسار الاستقرار والتنمية. وعندما يصبح السؤال: “ما الذي ينفع السودان؟” بدلاً من “من الذي ينتصر؟”، عندها فقط تبدأ رحلة التعافي الحقيقي.

“ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان… هل نخوض حربًا أم نُدار داخل صراع؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

أثر إغلاق مراكز الجامعات السودانية بالخارج على التحصيل الأكاديمي والاستقرار النفسي للطلاب النازحين .. د. حنان درار سيد إدريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *