Popular Now

النظام العالمي الجديد – قوة القانون أم قانون القوة

لماذا يبدو إسقاط مدينة الأبيض عسكريًا احتمالًا غير وارد؟ التصعيد بالمسيرات والدعاية المصاحبة قد يفاقمان الاستنزاف والقلق داخل المدينة ، لكنهما لا يوفران الشروط العسكرية اللازمة لاسقاطها على غرار ما حدث في الفاشر .. بقلم: د. خالد حسين محمد

وجه الحقيقة | سجون الظل وأسرى النسيان .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | السودان… حين يصبح المواطن آخر من يدافع عنه الجميع .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في الأزمات الكبرى لا تموت الدول حين تخسر معركة، بل حين تخسر تعريف الإنسان الذي قامت من أجله.
فالدول لا تُقاس بعدد المؤسسات التي بقيت واقفة، ولا بعدد البيانات التي تُصدرها، ولا بعدد الشعارات التي تُرفع فوق الجدران، بل تُقاس بالسؤال الأصعب:
هل ما يزال المواطن يشعر أن هذه الدولة تعتبره غاية، أم أصبح مجرد تكلفة جانبية للصراع؟

في السودان تبدو الإجابة اليوم أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في لغة المنتصر والمهزوم. فالبلاد التي دخلت سنواتها الأخيرة وهي تبحث عن انتقال سياسي، ثم وجدت نفسها داخل دوائر الحرب، والانقسام، والانهيار الاقتصادي، والنزوح وإعادة التشكل الاجتماعي… لم تخسر فقط استقرارها المؤسسي، بل بدأت تواجه سؤالًا أخطر:
من هو المواطن الذي يستحق أن يُدافع عنه الجميع؟

في ظاهر المشهد يبدو أن الجميع يدافع عن السودان:
– السياسي يدافع عن السودان.
– والعسكري يدافع عن السودان.
– والإداري يدافع عن السودان.
– والإعلامي يدافع عن السودان.
– والفاعل المجتمعي يدافع عن السودان.

لكن السؤال المؤلم: من يدافع عن المواطن؟
وهنا يبدأ أصل القضية.

لأن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس أن تختلف على إدارة الدولة، بل أن تتحول الدولة نفسها إلى فكرة مجردة يُطلب من الناس التضحية لأجلها دون أن يشعروا أنها تحميهم أو تراهم.

يبدأ الأمر صغيرًا:
– موظف لا يرى في صاحب الحاجة إلا ملفًا ناقصًا.
– مسؤول يفسر الصبر الشعبي باعتباره قدرة غير محدودة على الاحتمال.
– خطاب عام يتحدث عن الوطن أكثر مما يتحدث عن الناس.
– إجراءات تصبح أهم من الغاية التي وُجدت لأجلها.

ثم يحدث التحول الكبير دون إعلان:
– يصبح المواطن مطالبًا دائمًا بالفهم، ولا يجد أحدًا يفهمه.
– يُطلب منه التضحية، لكن لا يجد من يضحي من أجله.
– ويُطلب منه الصبر، لكن لا يجد من يصبر على وجعه.

وحين تتكرر هذه الدورة طويلًا، لا يثور المجتمع فقط، بل يعيد تعريف نفسه.
وهنا تولد أخطر مراحل الانهيار:
حين يبدأ الناس في البحث عن دوائر حماية بديلة:
– المدينة بدل الوطن.
– القبيلة بدل الدولة.
– الجماعة بدل القانون.
– القرب بدل الكفاءة.
– الولاء بدل المواطنة.
لا لأن الناس تكره الوطن، بل لأنها لم تعد واثقة أن الوطن يتذكرها.

وهذه ليست مشكلة سودانية خالصة، لكنها في السودان أكثر وجعًا، لأن فكرة السودان نفسها قامت تاريخيًا على القدرة على الجمع لا على الإقصاء.

كان السودان دائمًا مساحة عبور:
بين النيل والصحراء.
بين أفريقيا والعالم العربي.
بين الريف والمدن.
بين الذاكرة والتجدد.

لكن المجتمعات التي تفقد الثقة لا تنقسم جغرافيًا أولًا، بل وجدانيًا.
تصبح العبارات اليومية أكثر قسوة:
«ديل ما ناسنا».
«خلوهم يتحملوا».
«كل زول يشيل نفسه».

وفي تلك اللحظة لا يكون العدو قد انتصر، بل يكون قد انتقل إلى داخل اللغة.

وقد نكون — في مرحلة من المراحل — قد استعدنا مدنًا، أو تجاوزنا تهديدًا عسكريًا أو نجحنا في منع مشروع تقسيم أو فرض واقع بالقوة، لكن يبقى سؤال لا يجوز تأجيله: ماذا لو خرج السودان من المعركة وقد خسر السودانيين؟

لأن أخطر الأزمات ليست دائمًا تلك التي تُرى في نشرات الأخبار أو خرائط السيطرة، بل تلك التي تتسلل إلى وعي الناس ولغتهم اليومية حتى تصبح جزءًا من الحياة.

حين يصبح التذمر هو اللغة العامة، والشك هو القاعدة، والضيق المعيشي هو القاسم المشترك، ويصبح الحديث عن ارتفاع تكاليف الحياة، وضعف الدخل أو انعدامه وتراجع الخدمات الأساسية حديثًا اعتياديًا لا يثير الانتباه –فهذه ليست مجرد أزمة اقتصاد أو إدارة خدمات، هذا إنذار مبكر. إنذار بأن المجتمع نفسه بدأ يفقد طاقته على الاحتمال وثقته في المعنى المشترك.

الأخطر من الانقسام السياسي أن يبدأ الانقسام الوجداني.
والأخطر من خسارة مدينة أن يخسر المواطن إحساسه بأن مصير أخيه يعنيه.

والأخطر من أي صراع أن تتحول العلاقة بين السودانيين من علاقة شعب إلى علاقة أفراد متجاورين، يجمعهم المكان ولا يجمعهم الشعور بالمصير. حينها لا تنهار الدولة لأن حدودها تغيرت، بل لأن مكوّنها الأهم بدأ يتآكل من الداخل: الثقة.

لأن أخطر أشكال الهزيمة أن يتحول المواطن إلى مشروع شك دائم؛
لا أحد يثق في أحد،
ولا أحد يشعر أن معاناة الآخر تعنيه
ولا أحد يريد دفع تكلفة الإنقاذ الجماعي.

وهنا تظهر المفارقة السودانية المؤلمة: كل طرف يعتقد أنه يحمي السودان…لكن السودان نفسه يضعف كلما فقد مواطنًا شعوره بأنه جزء منه، فالأوطان لا تنهار حين تُهزم جيوشها فقط، بل حين يتوقف الناس عن الدفاع عن بعضهم.

وربما لهذا لا يحتاج السودان اليوم إلى خطاب يحدد من المخطئ أكثر بقدر ما يحتاج إلى سؤال أكثر شجاعة: كيف نعيد المواطن إلى مركز الفكرة السودانية؟
كيف تصبح الخدمة العامة خدمة؟
كيف تصبح السياسة وسيلة لا هوية؟
كيف يصبح القانون ضمانًا لا اختبار ولاء؟
كيف نستعيد المعنى البسيط للوطن: أن يشعر الإنسان أن أحدًا ما سيقف معه قبل أن يطلب منه الوقوف؟
لأن المستقبل لا يُبنى بمن يرفعون راية السودان فقط، بل بمن يجعلون المواطن لا يشعر أنه آخر من يدافع عنه الجميع.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6110 | المعارضة ليست مسؤولة “وحدها” عن عدم التوافق مع الحكومة لكنها مسؤولة “وحدها” عن عدم توافق كياناتها

المقالة التالية

وجه الحقيقة | سجون الظل وأسرى النسيان .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *