أثارت التصريحات الأخيرة للمستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، بشأن وقف الحرب في السودان ومستقبل العملية السياسية، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السودانية. ولا يعود ذلك إلى مضمون الدعوة إلى السلام في حد ذاته، فكل السودانيين يتطلعون إلى إنهاء الحرب، وإنما إلى السؤال الأهم: من يملك شرعية الحديث عن مستقبل السودان، ومن يحدد شكل دولته ونظامه السياسي؟
إن المبدأ الذي لا خلاف عليه هو أن السلام الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يُبنى على إملاءات أو تصورات تصدر عن أي دولة، وإنما ينبع من إرادة السودانيين أنفسهم، عبر مؤسساتهم الوطنية وحوارهم الداخلي، مع احترام كامل لسيادة البلاد واستقلال قرارها.
السلام يحتاج إلى وسيط يحظى بثقة جميع الأطراف
تقوم الوساطة الناجحة، في الأعراف الدبلوماسية، على الحياد والثقة المتبادلة. ولذلك، فإن أي دولة تُثار حول دورها في النزاع اتهامات أو خلافات سياسية تجد نفسها أمام تحدٍ يتعلق بقدرتها على أن تُنظر إليها وسيطاً مقبولاً من جميع الأطراف.
وقد شهدت الأزمة السودانية تبادل اتهامات ومواقف متباينة بشأن أدوار عدد من القوى الإقليمية والدولية، وهي ملفات ما زال بعضها محل نقاش سياسي أو إجراءات قانونية ودبلوماسية. ومن ثم، فإن أي مبادرة لتحقيق السلام تحتاج إلى بناء الثقة أولاً، وإلى توافق السودانيين قبل أي شيء آخر.
قرار السودانيين لا يُصنع خارج السودان
يبقى اختيار من يحكم السودان، وكيف تُدار المرحلة المقبلة، حقاً أصيلاً للشعب السوداني، وفق ما يقرره عبر مؤسساته وآلياته الوطنية. وهذا المبدأ لا يستهدف دولة بعينها، بل يعبر عن قاعدة مستقرة في القانون الدولي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ولهذا، فإن أي حديث يتجاوز الدعوة إلى وقف الحرب ليقترب من رسم ملامح السلطة أو تحديد الفاعلين السياسيين، قد يُفهم في الداخل السوداني بوصفه تجاوزاً لحدود الدور الدبلوماسي، وهو ما يثير حساسية مشروعة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
الدعم العربي مرحب به… إذا احترم السيادة
لقد أثبتت دول عربية عديدة، مثل المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ودولة قطر، في محطات مختلفة، أهمية الجهود العربية في تقريب وجهات النظر ودعم الاستقرار. غير أن نجاح أي دور إقليمي يظل مرهوناً باحترام سيادة السودان، وعدم الحلول محل الإرادة الوطنية.
إن السودان يحتاج اليوم إلى أصدقاء يساعدونه على إنهاء الحرب، ودعم الإغاثة الإنسانية، وإعادة الإعمار، لا إلى تنافس إقليمي يزيد من تعقيد الأزمة أو يضعف فرص التوافق الداخلي.
ومن ماء سبق فإن الأمارات العربية غير موهلة لطرح اي حلول في الحرب في السودأن لانها حسب العديد من التقارير هي شريك في تمويل ودعم لقوات الدعم السريع المتهمة بجرائم الابادة الجماعية
فيما يلي عرض أكثر تفصيلاً، يعتمد على ما نشرته الصحافة العالمية والمنظمات الدولية، مع الإشارة إلى أن الإمارات تنفي رسمياً جميع هذه الاتهامات.
أولاً: شبكة تجنيد المرتزقة الكولومبيين
تشير التحقيقات الدولية إلى أن عملية التجنيد لم تكن فردية، بل اتسمت بدرجة عالية من التنظيم، وشملت شركات خاصة ومسارات نقل دولية.
1. شركة A4SI (كولومبيا)
كانت نقطة التجنيد الرئيسية للمتقاعدين من الجيش الكولومبي.
استهدفت قناصة، ومشغلي طائرات مسيرة، ومدربين عسكريين، وعناصر قوات خاصة.
استخدمت الإعلانات المباشرة ومجموعات التواصل لتجنيد المقاتلين.
Human Rights Watch
2. شركة Global Security Services Group (GSSG)
مقرها أبوظبي.
خلص تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أنها لعبت دوراً محورياً في توظيف وإدارة المتعاقدين الكولومبيين.
أشار التقرير إلى أن للشركة علاقات وثيقة مع شخصيات ومؤسسات رسمية إماراتية، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً يستدعي التحقيق، بينما لم يصدر إقرار قضائي بهذه المزاعم.
Human Rights Watch
3. مسار انتقال المقاتلين
بحسب التحقيقات:
التجنيد في كولومبيا.
السفر إلى الإمارات.
المرور عبر منشآت عسكرية في أبوظبي، بينها الغياثي والوثبة وفق التقرير.
الانتقال إلى ليبيا أو مسارات أخرى.
ثم دخول دارفور للانضمام إلى قوات الدعم السريع.
Human Rights Watch
ثانياً: حجم القوة
قدرت التقارير:
نشر أكثر من 300 متعاقد عسكري كولومبي منذ عام 2024.
بعضهم شارك في القتال حول الفاشر.
بعضهم عمل في التدريب وتشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية.
Human Rights Watch
ثالثاً: المهام المنسوبة إليهم
وفق هيومن رايتس ووتش وشهادات جمعتها المنظمة:
المشاركة المباشرة في العمليات القتالية.
تدريب مقاتلي الدعم السريع.
تشغيل الطائرات المسيّرة.
تشغيل المدفعية.
حماية بعض المواقع العسكرية.
ووردت شهادات تتحدث عن تدريب مجندين صغار السن، وهو ما دعت المنظمة إلى التحقيق فيه.
Human Rights Watch
رابعاً: العقوبات الأمريكية
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على:
شركة A4SI.
شركة Fénix Human Resources.
شركة Global Qowa Al-Basheria.
عدد من المديرين والوسطاء والعسكريين السابقين المتهمين بإدارة شبكة التجنيد.
Reuters
خامساً: أبرز وسائل الإعلام التي تناولت الملف
لم تقتصر التغطية على رويترز، بل شملت:
رويترز: تحقيقات عن السلاح، والعقوبات، وشبكات الدعم.
أسوشيتد برس (AP): تقارير عن اتهامات السودان للإمارات بتمويل المرتزقة الكولومبيين.
AP News
واشنطن بوست: تقارير عن تصاعد الضغوط الدولية والاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع.
The Washington Post
لوموند الفرنسية: تحقيق حول انتقال أكثر من 300 مقاتل كولومبي عبر الإمارات وليبيا إلى السودان.
Le Monde.fr
هيومن رايتس ووتش: أصدرت في مايو 2026 تقريراً موسعاً (83 صفحة) يعد من أكثر التقارير تفصيلاً حول شبكة التجنيد والشركات ومسارات النقل.
Human Rights Watch
سادساً: ماذا عن Foreign Policy وPolitico؟
Foreign Policy نشرت تحليلات عن الحرب في السودان، والتنافس الإقليمي، ودور القوى الخارجية، لكنها لم تكن المصدر الرئيسي للتحقيقات الخاصة بشبكات المرتزقة الكولومبيين.
Politico ركزت بصورة أكبر على المواقف الأمريكية والأوروبية والعقوبات والسياسات الخارجية، ولم تنشر تحقيقاً استقصائياً رئيسياً يوازي تحقيقات هيومن رايتس ووتش أو أسوشيتد برس أو واشنطن بوست في هذا الملف.
الخاتمة
إن وقف الحرب هدف يتفق عليه جميع السودانيين، لكن السلام الدائم لا يتحقق إلا إذا كان قائماً على احترام سيادة الدولة، واستقلال القرار الوطني، وإرادة الشعب السوداني وحده.
فالسودان ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا مجالاً لتحديد مستقبله من خارج حدوده. وسيظل القرار النهائي بشأن من يحكم السودان وكيف تُبنى دولته، حقاً خالصاً للسودانيين، لا يملكه أحد سواهم، مهما كان موقعه أو نفوذه.
إذا كان هدف المقال هو النشر في صحيفة أو موقع إخباري، فإن هذه الصياغة ستكون أكثر قوة ومهنية؛ لأنها تركز على مبدأ السيادة الوطنية والقانون الدولي، وتتجنب الاتهامات غير المثبتة، مما يعزز مصداقية المقال وتأثيره.


