في توقيت متقارب تقريبًا، تقاطعت أمام السودان أخبار تبدو للوهلة الأولى متباعدة، حديث عن تغيير واستبدال العملة الوطنية، وتصريح الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان قبل أيام بأن الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها السودان «مُفتعّلة»، ثم خبر ربط منح تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة بالموقف من هدنة في الحرب لمدة ٩٠ يوما مع قوات الدعم السريع، فيما يقف العالم مصوباً انتباهه لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ 81 ، ويطرح سؤال أكبر عن كيفية مواجهة عالم يتغير أسرع من أدواته.
لكن ماذا لو لم تكن هذه أخبارًا منفصلة؟
في كلمته أمام الجمعية العامة، تحدث أنطونيو غوتيريش عن حاجة العالم إلى أمم متحدة بالقوة الكافية لمواجهة العالم كما هو. وهذه العبارة ،إن جاز لنا أن نستعير روحها للسودان، تضع أمامنا سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل نقرأ الأزمة السودانية كما هي، أم كما اعتدنا أن نراها؟
تغيير العملة، في ذاته، إجراء نقدي. لكنه في دولة تعيش حربًا منذ أبريل ٢٠٢٣م، وتواجه اقتصادًا موازيًا، وتراجعًا في الثقة، واضطرابًا في الإنتاج والتجارة والموارد، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ورقة نقدية جديدة فقط.
فالعملة ليست ورقًا، العملة مرآة للدولةعن مدى قدرتها على الإنتاج، وإدارة مواردها، وحماية قيمتها، وبناء الثقة حولها.
ولهذا تعود إلى الذاكرة تجربة حكومة د. معتز موسى؛ فقد كانت الظروف الاقتصادية واحدة من العوامل التي أحاطت بمرحلتها الأخيرة، قبل أن يصل السودان إلى لحظة أبريل ٢٠١٩م. والتاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة، لكنه أحيانًا يعيد طرح السؤال نفسه بصياغة مختلفة.
اليوم لا يواجه السودان الأزمة ذاتها، ولا يملك السياق ذاته، لكن السؤال عاد: ماذا يحدث عندما يصبح الاقتصاد جزءًا من مسار الأزمة السياسية والأمنية، وليس مجرد نتيجة لها؟
وهنا تكتسب عبارة البرهان بخصوص «تفعيل» الأزمات أهمية تحليلية. فإذا كانت الأزمات الاقتصادية قابلة للتفعيل، والاستثمار والتوظيف، فإن مواجهتها لا تبدأ بمطاردة نتائجها، بل بفهم مسارها …من أين تبدأ؟ كيف تنتقل؟ ومن الذي يستفيد من استمرارها؟
ومن هنا تأتي دلالة التزامن مع مسألة التأشيرة.
حين يصبح حضور رئيس دولة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مرتبطًا، وفق ما أوردته تقارير إعلامية، بموقف من هدنة في الحرب، فإن المسألة تتجاوز إجراءً دبلوماسيًا عابرًا إلى تذكير قاسٍ بأن السيادة السياسية لا تُقرأ بمعزل عن موازين القوة والاقتصاد والحرب.
وهنا لا ينبغي أن نسأل أي خبر أهم؟ بل نسأل: ما الرابط الذي يجعل هذه الأخبار تظهر في المشهد السوداني في الوقت نفسه؟
في مقال سابق من #أصل_القضية، طرحنا «النيلوكوين» بوصفه تصورًا لاستعادة السيادة النقدية عبر ربط القيمة الوطنية بالمورد، والذهب، والرقمنة والإنتاج. لم تكن الفكرة دعوة إلى استبدال الجنيه بورقة أخرى، بل محاولة للانتقال من سؤال: «كيف نحمي العملة؟» إلى سؤال أعمق: كيف نبني اقتصادًا يحمي العملة؟
واليوم يعود السؤال بصورة أكثر إلحاحًا.
إذا تغيرت العملة ولم يتغير الاقتصاد الذي ينتج أزمتها، فما الذي تغير؟ أما إذا كان تغييرها جزءًا من إعادة بناء المنظومة النقدية، وضبط حركة الموارد، ومحاصرة الاقتصاد الموازي، واستعادة الثقة وربط النقد بالإنتاج، فإن الأمر يصبح أكبر من تغيير فئات نقدية؛ يصبح محاولة لإعادة تعريف علاقة الدولة بقيمتها الاقتصادية.
فاللحظة لا تختبر قدرة السودان على تغيير عملته فقط، بل تختبر قدرته على إعادة ترتيب أدوات سيادته: النقدية، والاقتصادية، والإنتاجية، وحتى قدرته على الحركة في المجال الدولي. وإذا لم تُقرأ هذه الملفات كمنظومة واحدة، فقد نعالج كل عرض على حدة بينما يستمر مسار الأزمة في إنتاج أعراض جديدة.
وهنا تحديدًا نطرح رؤية «الجسر والمورد». فالمورد ليس مجرد ذهب يُستخرج، أو أرض تُزرع، أو ماشية تُصدر.
المورد هو أساس السيادة عندما تحسن الدولة تحويله إلى قيمة. والجسر هو المؤسسة التي تنقل هذه القيمة من باطن الأرض إلى حياة المواطن، ومن الإنتاج إلى السوق، ومن السوق إلى الدولة.
لذلك فإن السؤال الاستراتيجي أمام السودان ليس هل نغير العملة؟ ، بل ماذا نريد أن نغيّر عندما نغيّر العملة؟
هل نغير شكل النقد، أم نغير دورة الاقتصاد؟
هل نعالج أزمة السيولة، أم نبني الثقة؟
هل نستبدل الأوراق، أم نستعيد قيمة المورد؟
هل نطارد السوق الموازي، أم نعيد تصميم السوق بحيث يصبح الاقتصاد الرسمي أكثر قدرة على استيعاب المواطن والمنتج والمعدّن والتاجر؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل اللحظة الحالية فرصة لاختبار قدرة الدولة على التعلم من مسار الأزمة. فالحرب قد تُدار بالبندقية، لكن آثارها تُدار بالنقد، والإنتاج، والأسواق، والثقة، والعلاقات الخارجية.
ومن يقرأ كل واحد منها منفردًا، قد يرى أخبارًا كثيرة. أما من يقرأها كمسار، فقد يرى أزمة واحدة تتحدث بلغات مختلفة.
وهنا نعود إلى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار: هل نواجه الأزمة، أم نواجه أعراضها؟ فاستبدال العملة قد يكون استجابة مالية أما إعادة بناء السيادة النقدية، فهي استجابة استراتيجية وبين الاثنين يقع مستقبل الاقتصاد السوداني.
#أصل_القضية..
ليس المطلوب أن ينتظر السودان أن يصبح العالم أكثر رحمة، ولا أن يتغير الخارج حتى نستطيع إصلاح الداخل. المطلوب أن نعرف العالم كما هو، وأن نعرف أزمتنا كما هي، وأن نبني أدواتنا على هذه المعرفة.
فكما قال غوتيريش في عبارته التي التقطتها شاشات العالم، يحتاج العالم إلى أدوات قادرة على مواجهة العالم كما هو.
والسودان يحتاج أن يقرأ مسار أزماته كما هو، حتى يستطيع أن يغيّر ما يمكن تغييره.
تلك هي بداية الجسر…
أما المورد، فلا ينبغي أن يبقى ثروة تحت الأرض أو رقمًا في تقرير.
المورد الذي لا يتحول إلى سيادة، قد يتحول إلى جزء من الأزمة. وهنا بالضبط #أصل_القضية


