مقدمة: عندما تُغلق أبواب الأمم المتحدة أمام السودان وفلسطين
في لحظة دولية شديدة الحساسية، يجد السودان وفلسطين نفسيهما أمام مفارقة سياسية وقانونية لافتة: رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان والرئيس الفلسطيني محمود عباس حُرما من الوصول إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تتواصل فيه الحرب في السودان، وتتواصل الحرب والكارثة الإنسانية في فلسطين.
وبحسب مصادر دبلوماسية والأمم المتحدة، امتنعت الولايات المتحدة عن منح البرهان تأشيرة الدخول إلى أراضيها لحضور الجمعية العامة، فيما أكدت الأمم المتحدة أنها أثارت المسألة مع السلطات الأمريكية، مشيرة إلى أهمية المشاركة الكاملة للوفود في أعمال المنظمة الدولية. وكانت واشنطن قد رفضت أيضًا منح محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة.
وهنا يبرز سؤال أكبر من مجرد تأشيرة دخول:
هل تتحول بوابة الأمم المتحدة من مساحة يفترض أن تتساوى فيها الدول والأطراف أمام القانون الدولي إلى مساحة تتأثر بصورة متزايدة بالحسابات السياسية للدولة المضيفة والقوى الكبرى؟
والسؤال السوداني الأكثر إلحاحًا هو: لماذا يصبح الضغط على السودان منصبًا بصورة متزايدة على تقييد قدرة الدولة على الحركة والتسليح، بينما يستمر تدفق السلاح إلى أطراف أخرى في صراعات المنطقة؟
أولاً: أزمة تأشيرة البرهان… من خلاف دبلوماسي إلى أزمة في العلاقة مع واشنطن
أصبحت قضية تأشيرة البرهان واحدة من أبرز مؤشرات التوتر بين الخرطوم وواشنطن.
وتشير تقارير رويترز إلى أن منح التأشيرة الأمريكية ارتبط، بحسب مصادر دبلوماسية، بموقف البرهان من مقترح وقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا الذي طرحه المبعوث الأمريكي مسعد بولس. كما أثارت الأمانة العامة للأمم المتحدة القضية مع السلطات الأمريكية.
لكن التطور الأخطر ليس في التأشيرة وحدها، وإنما في انتقال الخلاف من ملف الحرب إلى ملف التمثيل السياسي والشرعية والتعامل مع مؤسسات الدولة السودانية.
فالولايات المتحدة أعلنت في الأيام الماضية موقفًا أكثر تشددًا تجاه طرفي الحرب، وقالت إن لا الجيش ولا الدعم السريع يمثلان حكومة دستورية شرعية، بينما رفضت الخرطوم هذا الموقف، مؤكدة ضرورة احترام سيادة السودان ومؤسساته.
وبذلك أصبحت واشنطن تتحرك في ثلاثة مسارات متوازية:
الضغط من أجل هدنة لمدة 90 يومًا.
الضغط باتجاه عملية سياسية جديدة.
محاولة توسيع القيود على السلاح لتشمل كامل السودان.
وهذا يفسر لماذا أصبحت قضية التأشيرة أكثر من مجرد إجراء إداري.
ثانياً: البرهان يرفض المقايضة… لكن ماذا بعد؟
الرسالة التي خرجت من الخرطوم هي رفض الربط بين حضور رئيس مجلس السيادة إلى الأمم المتحدة وبين قبول شروط سياسية أو عسكرية مسبقة.
وقد سبق للبرهان أن كتب في مجلة Foreign Policy أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة فشلت لأنها صيغت بشأن السودان دون إشراك السودان بصورة كافية، وأن الهدن السابقة أتاحت لقوات الدعم السريع، وفق روايته، إعادة ترتيب صفوفها.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن جوهر الخلاف ليس حول مبدأ وقف إطلاق النار.
فالسلام والهدنة الإنسانية يظلان هدفين ضروريين لتقليل معاناة المدنيين.
لكن الخلاف الحقيقي يدور حول: من يضمن الهدنة؟ ومن يراقبها؟ وهل تؤدي إلى وقف فعلي للحرب أم إلى إعادة توزيع القدرات العسكرية تمهيدًا لجولة جديدة؟
وهنا ينبغي ألا تتحول الهدنة إلى مجرد تجميد للميدان، بل إلى آلية واضحة ترتبط بوقف تدفق السلاح، وفتح الممرات الإنسانية، وإطلاق المحتجزين، وضمان عودة المدنيين، ثم الانتقال إلى ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ.
ثالثاً: الولايات المتحدة وحظر السلاح… لماذا السودان تحديدًا؟
واشنطن طرحت في أغسطس مشروعًا لتوسيع حظر السلاح المفروض أمميًا في دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها. وقد واجه المشروع اعتراضات من روسيا والصين وأعضاء آخرين في مجلس الأمن.
وفي 11 سبتمبر، لم يعتمد مجلس الأمن الحظر الشامل، وإنما مدد نظام العقوبات والحظر القائم في دارفور لمدة شهر واحد فقط، حتى 9 أكتوبر، مع استمرار التفاوض بشأن توسيعه.
وهذه نقطة مهمة يجب عدم الخلط فيها:
الأمم المتحدة لم تعتمد حتى الآن حظرًا شاملاً على السلاح في كامل السودان،
إنما توجد مبادرة أمريكية لتوسيع الحظر ما زالت موضع تفاوض داخل مجلس الأمن.
لكن السؤال السياسي يبقى قائمًا: إذا كان الهدف وقف الحرب، فهل يكون الحظر فعالًا إذا لم يشمل جميع قنوات التسليح، والتمويل والدعم الخارجي بصورة متساوية وقابلة للتحقق؟
رابعاً: الإمارات تؤيد توسيع حظر السلاح… وهنا تتضاعف الأسئلة
في مفارقة لافتة، أعلنت الإمارات تأييدها للموقف الأمريكي الداعي إلى هدنة إنسانية وتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وقال وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان إن توسيع الحظر ضروري لوقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين.
لكن الخرطوم تتهم أبوظبي منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات هذه الاتهامات.
كما أشارت تقارير وتحقيقات غربية إلى اتهامات تتعلق بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، في حين تتمسك أبوظبي بنفي تورطها في تسليح أي طرف، وتقول إن دورها يركز على المساعدات الإنسانية والدبلوماسية.
وهنا تظهر المفارقة التي تحتاج إلى إجابة دولية:
كيف يمكن لحظر السلاح أن يوقف الحرب إذا كانت المشكلة الأساسية، بحسب التصريحات الأمريكية نفسها، هي التدخلات الخارجية؟
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال في نيويورك إن الحرب السودانية ما كانت لتستمر بهذا الشكل لولا تدخل أطراف خارجية تدعم أحد الطرفين أو كليهما، لكنه امتنع عن تسمية تلك الأطراف بصورة مباشرة.
إذن فإن المعيار المنطقي يفترض أن يكون:
وقف السلاح عن الجميع، ووقف التمويل عن الجميع، ووقف المرتزقة عن الجميع ووقف الدعم اللوجستي عن الجميع.
أما أن يتحول حظر السلاح إلى قيد عملي على طرف دون القدرة على وقف الإمدادات غير المباشرة للطرف الآخر، فإن النتيجة قد تكون تغييرًا في ميزان القوة لا إنهاءً للحرب.
خامساً: إسرائيل والسلاح… وفلسطين خارج القاعة
المقارنة مع فلسطين تضيف بعدًا آخر إلى المشهد الدولي.
ففي الوقت الذي تواجه فيه فلسطين قيودًا على حضور قيادتها اجتماعات الأمم المتحدة، كانت الولايات المتحدة تمضي في مسار دعم عسكري واسع لإسرائيل؛ إذ أفادت رويترز في سبتمبر بأن إدارة ترامب تخطط لصفقة ذخائر لإسرائيل بقيمة تقارب 2.8 مليار دولار، تشمل عشرات الآلاف من القنابل الثقيلة.
وبذلك يصبح المشهد الدولي أمام صورة متناقضة في نظر كثير من المراقبين:
قيود على الحضور السياسي الفلسطيني والسوداني، مقابل استمرار التعاون العسكري الأمريكي مع إسرائيل.
ولا يعني ذلك أن الملفات الثلاثة متطابقة من الناحية القانونية أو السياسية، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا حول اتساق المعايير الدولية في التعامل مع النزاعات المسلحة.
فإذا كان السلاح هو أحد أسباب استمرار الحروب، فإن المعيار المتسق ينبغي أن ينطبق على جميع النزاعات وفق قواعد واحدة، لا وفق هوية الحليف أو الخصم.
سادساً: السودان بين السلاح والشرعية… هل يجري الضغط على الدولة أكثر من الحرب؟
المشكلة الأعمق في المقاربة الحالية هي احتمال اختزال الأزمة السودانية في معادلة:
جيش + دعم سريع = طرفان متحاربان.
بينما الواقع السوداني أكثر تعقيدًا.
فالحرب اندلعت بين القوات المسلحة السودانية ،وهي المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وقوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية مستقلة عن القوات المسلحة. وتؤكد الحكومة السودانية أن احتكار السلاح يجب أن يعود إلى مؤسسات الدولة، بينما ترى واشنطن أن طرفي الحرب لا يمثلان حكومة دستورية منتخبة.
وهنا يجب الفصل بين مسألتين:
– المسألة الأولى: تقييم أداء المؤسسات السياسية والعسكرية خلال المرحلة الانتقالية.
– المسألة الثانية: طبيعة الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية والقانونية.
إن الخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي إضعاف مؤسسات الدولة في الوقت الذي يفترض فيه المجتمع الدولي أن يعمل على إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
سابعاً: إثيوبيا تدخل المشهد من بوابة الشمال… والخطر على السودان يتضاعف
التطور الإثيوبي الجديد يمثل واحدًا من أخطر التطورات الإقليمية بالنسبة للسودان.
فالمواجهات عادت إلى إقليم تيغراي، فيما تحدثت تقارير عن سيطرة القوات التيغرية على مطار ميكيلي، وتعليق الرحلات الجوية إلى عدد من مدن الإقليم. كما تشير مصادر تحليلية إلى تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوى تيغراي، بالتزامن مع أزمات مسلحة في أمهرا وأوروميا.
وهذا يعني أن السودان قد يجد نفسه أمام ثلاث دوائر حرب متزامنة:
حرب داخل السودان.
اضطراب متصاعد في إثيوبيا.
عدم استقرار في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.
والأخطر أن الحدود السودانية–الإثيوبية ليست حدودًا هادئة بطبيعتها، بل ترتبط بقضايا الفشقة، واللاجئين، والتهريب، والسلاح، والمياه، وسد النهضة.
لذلك فإن أي توسع للحرب الإثيوبية قد يجعل الحرب السودانية أكثر ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية، وهو ما يرفع مخاطر انتقال السلاح والمقاتلين واللاجئين عبر الحدود.
ثامناً: النيجر
السودان ليس جزيرة معزولة، وفي الاتجاه الغربي من القارة، تأتي التطورات الأمنية في النيجر لتؤكد أن منطقة الساحل والقرن الأفريقي تشهد في الوقت نفسه إعادة تشكيل واسعة للخريطة الأمنية.
وتشير تقارير حديثة إلى مقتل عشرات من عناصر قوات الأمن النيجرية في هجمات متفرقة، في ظل استمرار تهديد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
وهذا يضع السودان أمام بيئة إقليمية شديدة التعقيد تمتد من البحر الأحمر إلى الساحل.
ومن ثم فإن التعامل مع الحرب السودانية كملف داخلي فقط أصبح غير كافٍ.
تاسعاً: يوسف عزت… إذا صحت الرواية، فماذا عن بقية الأسرى والمعتقلين؟
من أخطر التطورات التي ظهرت خلال الأيام الماضية ما يتعلق بمصير (يوسف عزت) المستشار السياسي السابق لقائد قوات الدعم السريع. فقد قالت شقيقته (منى عزت) إن معلومات وصلتها تؤكد مقتله داخل نيالا، وتحديدًا في سجن (دقريس) ، بعد أن كانت المعلومات حول مصيره ومكان احتجازه متضاربة لفترة طويلة. لكن المصادر التي اطلعنا عليها لا تقدم حتى الآن دليلًا مستقلًا يثبت مقتله بصورة نهائية، ولذلك تبقى الواقعة في إطار الرواية المنسوبة إلى أسرته إلى حين التحقق المستقل.
وهنا لا ينبغي أن يتوقف السؤال عند يوسف عزت نفسه.
بل يجب أن يمتد إلى:
– أين بقية الأسرى والمعتقلين؟
– ما هي أماكن احتجازهم؟
– من المسؤول عنهم؟
– كم عدد الذين ماتوا داخل أماكن الاحتجاز؟
كم عدد الذين اختفوا؟
وهل توجد سجلات رسمية للمعتقلين؟
هذه أسئلة إنسانية وقانونية قبل أن تكون سياسية.
عاشراً: الاتهامات المتعلقة بتجارة الأعضاء… ملف بالغ الخطورة يحتاج إلى تحقيق مستقل. ظهرت كذلك تقارير صحفية واتهامات تتحدث عن احتمال وجود تجارة أعضاء مرتبطة بمحتجزين لدى قوات الدعم السريع، بما في ذلك اتهامات موجهة إلى جهات أو شركات يُزعم ارتباطها بهذا الملف. لكن ما توفر من المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها لا يكفي لإثبات وجود شبكة منظمة لتجارة الأعضاء بصورة نهائية.
ولهذا فإن التعامل الصحفي الصحيح لا يكون بإثبات الاتهام دون تحقيق، ولا بإغلاق الملف، بل يجب أن يكون السؤال:
هل توجد أدلة؟ وهل يمكن فتح تحقيق دولي مستقل؟
إذا ثبتت مثل هذه الجرائم، فإنها لن تكون مجرد انتهاكات مرتبطة بالحرب، بل ستفتح ملفًا بالغ الخطورة يتعلق بالاتجار بالبشر، وانتهاك حرمة الجسد، والقتل، والإخفاء القسري، وربما جرائم دولية أخرى بحسب الوقائع والأدلة.
أما إذا لم تثبت، فيجب عدم تحويل الاتهام إلى حقيقة إعلامية، لكن مجرد وجود روايات متكررة حول مصير المحتجزين يستوجب التحقيق، لا التجاهل.
الحادي عشر: السؤال الأكبر… أين المعتقلون؟
قضية يوسف عزت تعيد فتح ملف الأسرى والمفقودين والمعتقلين في السودان.
وفي أي حرب طويلة، فإن ملف المحتجزين لا يمكن تركه للأطراف المتحاربة وحدها.
المطلوب هو:
– كشف أسماء جميع المحتجزين.
– تحديد أماكن الاحتجاز.
– السماح للصليب الأحمر أو جهة محايدة بالوصول إليهم.
– تسجيل الوفيات داخل المعتقلات.
– إخطار الأسر بمصير ذويهم.
– التحقيق في حالات الاختفاء.
– التحقيق في التعذيب وسوء المعاملة.
– التحقيق في أي وفاة غير طبيعية.
– حماية الشهود والمبلغين.
– توثيق الأدلة قبل ضياعها.
وهذه ليست مطالب سياسية لطرف ضد طرف، وإنما قواعد أساسية في التعامل مع الأسرى والمحتجزين أثناء النزاعات المسلحة.
الثاني عشر: من يسلّح الحرب ومن يدعو إلى السلام؟
هنا تصل الأزمة إلى أكثر نقاطها حساسية.
فالولايات المتحدة تقول إن التدخل الخارجي يطيل الحرب.
وهذا موقف معلن على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو.
لكن في الوقت نفسه، تطرح واشنطن حظرًا شاملًا على السلاح في السودان.
والإمارات تؤيد توسيع الحظر.
والخرطوم تتهم الإمارات بدعم الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي ذلك.
وفي المقابل، توجد اتهامات وتقارير عن حصول القوات المسلحة السودانية على أسلحة ومعدات من دول أخرى.
إذن فإن الحل الحقيقي لا يبدأ من سؤال:
من يستحق السلاح؟
بل من سؤال:
كيف نوقف كل مصادر السلاح والتمويل التي تغذي الحرب؟
هذه هي المعادلة التي يمكن أن تحول الحديث عن السلام من شعار إلى آلية.
الثالث عشر: البحر الأحمر يعود إلى الواجهة
في الوقت نفسه، تعود العلاقات السودانية–السعودية وملف البحر الأحمر إلى مركز الاهتمام.
فالمنطقة لم تعد مجرد مساحة جغرافية بين أفريقيا والجزيرة العربية، بل أصبحت واحدة من أهم مسارح التنافس الدولي والإقليمي.
السودان يطل على البحر الأحمر، ويمتلك ساحلًا طويلًا وموانئ ذات أهمية استراتيجية، بينما ترتبط المملكة العربية السعودية بأمن البحر الأحمر ارتباطًا مباشرًا.
ولذلك فإن أي ترتيبات مستقبلية في السودان ستكون لها انعكاسات على:
– أمن الملاحة.
– الموانئ.
– التجارة الدولية.
– باب المندب.
– أمن السعودية ومصر.
– التنافس الدولي في البحر الأحمر.
– النفوذ الإقليمي في القرن الأفريقي.
ومن هنا يمكن فهم سبب عودة ملف البحر الأحمر إلى طاولة النقاش السوداني–السعودي في هذا التوقيت.
الرابع عشر: ماذا تعني التطورات الإثيوبية والسودانية مجتمعة؟
إذا وضعنا التطورات السودانية والإثيوبية والبحر الأحمر في خريطة واحدة، فإننا أمام مثلث أمني شديد الحساسية:
– السودان:
حرب داخلية، تدخلات خارجية، أزمة اقتصادية، نزوح، سلاح عابر للحدود.
– إثيوبيا:
عودة القتال في تيغراي، صراعات أمهرا وأوروميا، وتوترات مع إريتريا.
– البحر الأحمر:
تنافس دولي وإقليمي، ممرات بحرية، موانئ، قواعد، ومصالح اقتصادية وأمنية.
وبالتالي، فإن استمرار الحرب السودانية لا يؤثر في السودان وحده.
بل يمكن أن يصبح جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لخريطة القرن الإفريقي.
الخامس عشر: هل المطلوب سلام السودان أم إعادة تشكيل السودان؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تطرحه الخرطوم والقوى السياسية والمجتمع الدولي معًا.
فالسلام الحقيقي يجب أن يؤدي إلى:
دولة موحدة، جيش وطني، مؤسسات دستورية، نظام سياسي متوافق عليه، أمن للمواطن، عودة النازحين واللاجئين وإعادة إعمار الاقتصاد.
أما السلام الذي ينتج عنه:
– مناطق نفوذ مسلحة،
– جيوش متعددة،
– حكومات متوازية،
– اقتصاديات حرب،
– حدود مفتوحة للسلاح،
– مراكز قوة خارج سيطرة الدولة،
فلن يكون نهاية للحرب، وإنما إعادة إنتاج لها بأدوات سياسية.
التحليل الاستراتيجي
يمكن قراءة التطورات الحالية في خمسة مستويات مترابطة:
1. المستوى الأمريكي
واشنطن تحاول الجمع بين الضغط الدبلوماسي، والضغط الاقتصادي، والعقوبات ومقترح الهدنة، مع إعلانها أن التدخل الخارجي يمثل أحد أسباب استمرار الحرب.
2. المستوى الأممي
الأمم المتحدة تحاول الإبقاء على قنوات الحوار والعقوبات، لكنها تواجه خلافًا داخل مجلس الأمن حول توسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان.
3. المستوى الإقليمي
الإمارات والسعودية ومصر وغيرها تتحرك بدرجات مختلفة داخل الأزمة، بينما تتداخل الحرب السودانية مع أزمات إثيوبيا والبحر الأحمر.
4. المستوى العسكري
استمرار الحرب يعني استمرار الحاجة إلى السلاح، ولذلك فإن وقف الإمدادات الخارجية سيكون أكثر أهمية من إصدار قرارات عامة غير قابلة للتنفيذ.
5. المستوى الإنساني والقانوني
ملف الأسرى والمفقودين والمعتقلين والانتهاكات أصبح يحتاج إلى آلية مستقلة وشفافة، لا سيما مع ظهور روايات خطيرة حول مصير بعض المحتجزين.
الخلاصة: السودان لا يحتاج إلى منع الكلام عنه، بل إلى سماع صوته.
أخطر ما في التطورات الأخيرة ليس فقط منع البرهان من الوصول إلى نيويورك، وليس فقط منع محمود عباس من الحضور وليس فقط مشروع حظر السلاح، إنما الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول السودان إلى ملف يُدار من الخارج بينما يُطلب من السودانيين تنفيذ النتائج على الأرض.
السودان يحتاج إلى السلام، لكنه يحتاج إلى سلام لا يقوم على إضعاف الدولة.
ويحتاج إلى وقف الحرب، لكن وقف الحرب لا يمكن أن يكون عبر حرمان طرف من السلاح بينما تبقى قنوات الدعم الخارجي مفتوحة لطرف آخر.
ويحتاج إلى محاسبة، ولكن المحاسبة يجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم، دون انتقائية.
ويحتاج إلى حوار سياسي، لكن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة على السيطرة العسكرية على الأرض.
أما ملف يوسف عزت، وسائر المعتقلين والمفقودين، فيجب أن يتحول من أخبار متداولة إلى ملف حقوقي موثق، لأن حياة الإنسان السوداني لا ينبغي أن تصبح رهينة للصراع السياسي والعسكري.
والأهم من ذلك كله أن التطورات في إثيوبيا، والبحر الأحمر، والساحل وفلسطين، تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة.
وفي هذه المرحلة، فإن السودان لا يستطيع أن يحمي نفسه بالانغلاق، ولا يستطيع أن يحمي سيادته العزلة، بل يحتاج إلى دبلوماسية نشطة، وعلاقات متوازنة، وموقف وطني موحد، ومؤسسات دولة قوية، ورؤية واضحة لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط: من يسيطر على مدينة؟
بل: من يملك قرار السودان بعد الحرب؟
وهنا يجب أن يكون الجواب واضحًا:
قرار السودان يجب أن يبقى للسودانيين، وسلاح الدولة يجب أن يكون تحت مؤسسات الدولة، والسلام يجب أن ينهي الحرب لا أن يعيد إنتاجها، والمحاسبة يجب أن تكون شاملة، والمساعدات الإنسانية يجب أن تصل إلى المدنيين دون تسييس.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يساعده على إيقاف الحرب، وإنما يحتاج إلى مسار يعيده دولةً موحدةً، ذات سيادة، ومؤسسات قادرة على حماية شعبها وإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية من موقع الندية والمصلحة الوطنية.


