أعاد حديث رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي بابكر فيصل حول عدم استبعاد القوى المدنية لأي طرف سياسي سوى المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة سودانية: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية عبر بوابة الإقصاء السياسي؟
من حيث المبدأ لا يملك أحد أن يمنع أي تيار سياسي من انتقاد المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية أو تحميلهما جانبًا من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، غير أن الانتقال من النقد السياسي إلى الدعوة لاستبعاد قوى اجتماعية وسياسية كاملة من العملية السياسية يفتح الباب أمام تناقض جوهري بين خطاب الديمقراطية وممارستها، فالديمقراطية ليست مكافأة تمنحها مجموعة سياسية لمن توافقها الرأي، وإنما هي حق أصيل يقوم على التعددية والاحتكام إلى إرادة الشعب.
إن التجربة السودانية نفسها تقدم دليلًا واضحًا على فشل سياسات الإقصاء، فمنذ الاستقلال لم تعرف البلاد استقرارًا سياسيًا حقيقيًا، وظلت النخب تتبادل الاتهامات وتحاول إبعاد بعضها بعضًا من المجال العام، وكانت النتيجة دومًا مزيدًا من الاستقطاب والانقسامات لا بناء دولة مستقرة أو نظام ديمقراطي مستدام، فالقوى التي تقصى اليوم تعود غدًا بأشكال مختلفة، لأن الأفكار لا تلغى بالقرارات السياسية ولا تختفي بالمراسيم، كما أن تحميل الحركة الإسلامية وحدها مسؤولية أزمات السودان يمثل تبسيطًا مخلًا لمشكلة أكثر تعقيدًا، فالحروب الأهلية بدأت قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة، وأزمات التنمية والهوية وبناء الدولة صاحبت السودان منذ فجر الاستقلال، بل إن مختلف القوى السياسية مدنية كانت أم عسكرية تتحمل بدرجات متفاوتة نصيبًا من المسؤولية عن حالة التدهور التي عاشتها البلاد عبر العقود.
والأكثر غرابة أن بعض القوى التي تنادي اليوم بالشمول، والتنوع وقبول الآخر تستثني في الوقت ذاته قطاعًا واسعًا من السودانيين بسبب انتمائهم الفكري أو السياسي، فإذا كان المعيار هو المسؤولية الجنائية عن الجرائم والانتهاكات فإن مكان المحاسبة هو القضاء المستقل الذي يحاكم الأفراد وفق الأدلة والقانون، أما إذا تحول الاتهام السياسي إلى أداة لعزل جماعات بأكملها فإن ذلك يهدد بتحويل العملية السياسية إلى ساحة للانتقام لا للتوافق الوطني إن السودان، وهو يواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث يحتاج إلى مشروع وطني جامع يتجاوز عقلية الغالب والمغلوب، فإيقاف الحرب واستعادة الدولة وبناء الديمقراطية لن يتحقق عبر إنتاج إقصاء جديد باسم الثورة أو المدنية، وإنما عبر عقد سياسي يفتح المجال أمام جميع القوى التي تلتزم بالعمل السلمي، والدستور وسيادة القانون، فالأوطان لا تُبنى بإلغاء الخصوم، بل بإدارة الاختلاف بينهم في إطار وطني يحفظ حق الجميع في المشاركة ويجعل الشعب وحده صاحب الكلمة الأخيرة.


