Popular Now

كلما انتصر الجيش… لماذا تظهر الأزمات واللقاءات المشبوهة والتسريبات المربكة؟ .. د.عادل الرفاعي ابوالحسن

عندما يصبح الغرور نرجسية… ويتحول الإنسان من قائد إلى طاغية .. د. حنان درار سيدادريس

كردفان تحت الاختبار: انسحاب الدعم السريع وأزمة القيادة والتحول من التوسع إلى الانكفاء .. (40) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

كردفان تحت الاختبار: انسحاب الدعم السريع وأزمة القيادة والتحول من التوسع إلى الانكفاء .. (40) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة تتزايد فيها أهمية جبهة كردفان، بعد التطورات العسكرية المتلاحقة التي شهدتها المنطقة، والإعلانات عن انسحاب قوات الدعم السريع من عدد من المواقع، بالتزامن مع عمليات تنفذها القوات المسلحة لتأمين المناطق التي استعادتها ومنع إعادة التسلل أو الاختراق.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على وجود ضغوط داخلية على قوات الدعم السريع، ليس فقط على المستوى الميداني، وإنما كذلك على مستوى القيادة والسيطرة والثقة بين القيادة والقوات الموجودة في الميدان.
وفي المقابل، تتحرك القوات المسلحة باتجاه تثبيت مكاسبها بدلاً من الاكتفاء بتحقيق تقدم عسكري مؤقت، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن المراحل السابقة من الحرب.
أولاً: كردفان تتحول إلى نقطة اختبار استراتيجية
تمثل كردفان موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في خريطة الحرب السودانية؛ فهي تقع بين وسط السودان ودارفور، وتضم طرقاً رئيسية يمكن أن تستخدم في حركة القوات والإمدادات.
ولهذا فإن السيطرة على مناطق كردفان لا تعني مجرد مكسب جغرافي، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في قدرة أي طرف على الحركة بين الوسط والغرب.
ومن هنا يمكن فهم تركيز القوات المسلحة خلال الفترة الأخيرة على تأمين المناطق المستردة في شمال كردفان، وليس فقط دخولها.
فالسيطرة العسكرية لا تكتمل إلا بإنشاء خطوط دفاع، وتأمين الطرق، ومنع الهجمات المعاكسة، وإعادة تنظيم القوات والإدارة المحلية.
ثانياً: الانسحاب من النهود وغرب كردفان
تشير المعلومات الواردة إلى انسحاب قوات الدعم السريع من مناطق في كردفان، ومن بينها النهود ومناطق في غرب كردفان، مع نقل أسرى وفق ما أعلنته مصادر عسكرية.
وإذا تأكد اتساع نطاق هذا الانسحاب، فإنه يمثل تحولاً مهماً في طبيعة العمليات.
فالقوات التي كانت تتحرك في السابق بهدف توسيع نطاق السيطرة أصبحت تواجه الآن معادلة مختلفة تقوم على المحافظة على المواقع وتأمين خطوط الإمداد.
وهنا يمكن التمييز بين نوعين من الانسحاب:
الانسحاب التكتيكي الذي يهدف إلى إعادة الانتشار، وهو لا يعني بالضرورة الهزيمة.
والانسحاب الناتج عن فقدان القدرة على الاحتفاظ بالمواقع، وهو مؤشر أكثر خطورة لأنه يعكس تراجع القدرة العملياتية.
وتحديد أي النوعين ينطبق على الحالة الحالية يحتاج إلى متابعة تطورات الأيام المقبلة.
ثالثاً: أزمة القيادة والسيطرة
من أكثر التطورات إثارة للاهتمام تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، التي تحدث فيها عن مخطط لاعتقاله وتسليمه إلى السودان.
وبعيداً عن صحة تفاصيل هذه الاتهامات من عدمها، فإن مجرد ظهور هذا النوع من الخطاب يحمل دلالة سياسية وعسكرية.
ففي التنظيمات العسكرية، تمثل الثقة بين القيادة والقيادات الميدانية أحد أهم عناصر الصمود.
وعندما تبدأ القيادة في الحديث عن وجود مؤامرات داخلية أو محاولات لاستهدافها، فإن ذلك قد يشير إلى وجود أزمة ثقة أو خشية من الاختراق الداخلي.
والسؤال هنا ليس فقط: من يريد اعتقال حميدتي؟
بل السؤال الاستراتيجي الأهم:
هل أصبحت القيادة تشك في بعض مراكز القوة داخل منظومتها؟
رابعاً: من يدير المعركة فعلياً؟
الحروب الطويلة تفرض على التنظيمات العسكرية تطوير آليات واضحة للقيادة والسيطرة.
لكن تعدد مراكز القرار، واختفاء بعض القيادات عن المشهد، وتباعد المسافات بين القيادة العليا والوحدات الميدانية، يمكن أن يؤدي إلى مشكلة في سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ الأوامر.
وفي حالة قوات الدعم السريع، تبرز أهمية هذا السؤال بصورة خاصة بسبب اتساع رقعة انتشارها، وطول خطوط الإمداد، وتعدد الجبهات التي تقاتل فيها.
فكلما ابتعدت القيادة عن الميدان، أصبحت المعلومات التي تصل إليها أكثر اعتماداً على التقارير المرفوعة من القيادات الوسيطة.
وهنا يمكن أن تنشأ فجوة بين ما يحدث في الميدان وما يصل إلى القيادة السياسية والعسكرية.
خامساً: اتهام الطابور الخامس
تداولت المصادر تصريحات تتحدث عن وجود ما يسمى بالطابور الخامس أو المتعاونين مع الخصم داخل المناطق التي توجد فيها قوات الدعم السريع.
وهذا النوع من الاتهامات يظهر عادة في مراحل الأزمات العسكرية عندما تبدأ القوات في فقدان بعض المواقع بصورة أسرع من المتوقع.
لكن من الناحية العسكرية، يجب الحذر من تحويل كل هزيمة إلى نتيجة لاختراق داخلي.
فالهزيمة قد تكون نتيجة تراكم عوامل متعددة، منها:
ضعف الإمداد.
فقدان السيطرة على طرق الحركة.
التفوق الجوي أو الاستخباري للخصم.
ضعف التنسيق بين الوحدات.
انخفاض الروح المعنوية.
الخلافات القيادية.
الضغط المستمر على خطوط الدفاع.
وبالتالي فإن الحديث عن الاختراق الداخلي ينبغي أن يكون جزءاً من تحليل أوسع، لا تفسيراً وحيداً للانهيارات الميدانية.
سادساً: عمليات العمل الخاص ودلالاتها
تحمل تصريحات قوات العمل الخاص بشأن تنفيذ عمليات معقدة في كردفان دلالة مهمة، لأنها تشير إلى انتقال القوات المسلحة إلى نمط أكثر تخصصاً في التعامل مع المناطق التي تشهد عمليات عسكرية.
فالعمليات الخاصة لا تستهدف بالضرورة السيطرة على مساحات واسعة، وإنما يمكن أن تركز على:
الاستطلاع، وضرب مراكز القيادة، وتأمين المحاور، وتدمير الإمداد، وتحديد مواقع القوات، وتنفيذ عمليات خلف خطوط الخصم.
وهذه الأدوات تصبح أكثر أهمية عندما تتحول الحرب من حرب حركة واسعة إلى حرب استنزاف.
سابعاً: تأمين المناطق المستردة أهم من تحريرها
أحد الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الجيوش خلال الحروب الطويلة هو التوسع السريع دون تثبيت السيطرة.
ولهذا فإن إعلان القوات المسلحة عن عمليات لتأمين المناطق المستردة في شمال كردفان يحمل أهمية استراتيجية.
فالمرحلة التالية للتحرير هي:
تأمين المداخل والمخارج.
حماية الطرق الرئيسية.
منع عودة القوات المعادية.
تطهير المناطق من مخلفات الحرب.
إعادة الخدمات الأساسية.
إعادة السكان تدريجياً.
إنشاء إدارة مدنية قادرة على العمل.
ومن دون هذه الخطوات يمكن أن تتحول السيطرة العسكرية إلى مكسب مؤقت.
ثامناً: حديث مناوي عن الأيام الأولى للحرب
تكتسب تصريحات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي حول ما سبق اندلاع الحرب أهمية سياسية وتاريخية، خصوصاً ما يتعلق بما ينسبه إلى عبد الرحيم دقلو من حديث عن اعتقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
وإذا ثبتت هذه الرواية من خلال شهادات مستقلة أو وثائق، فإنها ستكون ذات أهمية في فهم التصورات التي سبقت اندلاع الحرب.
لكن من الضروري منهجياً التفريق بين الرواية السياسية والشهادة الشخصية وبين الوثيقة المثبتة.
فالحرب لا تحتاج إلى روايات إضافية بقدر ما تحتاج إلى تحقيق تاريخي موثق يكشف تسلسل الأحداث والقرارات التي أدت إلى اندلاعها.
تاسعاً: هل بدأت قوات الدعم السريع مرحلة الانكفاء؟
التطورات الأخيرة تطرح احتمالاً مهماً: هل انتقلت قوات الدعم السريع من مرحلة التوسع إلى مرحلة الدفاع وإعادة الانتشار؟
إذا استمرت الانسحابات في كردفان، وتكررت حالات الاستسلام، وتعرضت خطوط الإمداد للضغط، فإن ذلك قد يؤدي إلى تغير في العقيدة العملياتية للقوة.
وقد تتحول الأولوية من السيطرة على المدن إلى الاحتفاظ بالمراكز ذات القيمة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مع استخدام حرب الحركة والكمائن والضربات السريعة.
وهذا يعني أن تراجع القوة على الأرض لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتها على القتال.
عاشراً: هل يقترب الجيش من مرحلة الحسم؟
التقدم العسكري لا يعني بالضرورة أن الحسم النهائي أصبح قريباً.
فالسودان بلد واسع جغرافياً، والحرب متعددة الجبهات، كما أن دارفور وكردفان تمتلكان طبيعة جغرافية واجتماعية تجعل العمليات العسكرية شديدة التعقيد.
لكن هناك فرقاً بين الحسم العسكري الكامل وبين تغيير ميزان القوى.
والذي يمكن قراءته من التطورات الحالية هو أن ميزان القوى قد يكون في طور التحول التدريجي، خاصة إذا تمكن الجيش من تثبيت مواقعه في كردفان وربطها بالمحاور الأخرى.
خاتمة: كردفان قد ترسم المرحلة المقبلة
المشهد السوداني يدخل مرحلة أكثر تعقيداً؛ فالتطورات في كردفان لا تتعلق فقط بمواقع عسكرية محددة، وإنما بمستقبل طرق الإمداد والحركة بين وسط البلاد وغربها.
أما الحديث عن مخطط لاستهداف قيادة الدعم السريع، واتهامات الطابور الخامس، وتراجع بعض القوات، فهي مؤشرات تستحق المتابعة لأنها تكشف أن المعركة لم تعد فقط بين قوتين على الأرض، بل بدأت تفرض ضغوطاً على بنية القيادة والثقة والتماسك الداخلي.
وفي المقابل، يبدو أن القوات المسلحة تحاول الانتقال من مرحلة استعادة المناطق إلى مرحلة تثبيت السيطرة وتأمينها، وهو انتقال مهم في إدارة الحرب.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تؤدي خسارة بعض المواقع في كردفان إلى إعادة انتشار تكتيكي لقوات الدعم السريع، أم أنها بداية مرحلة أوسع من الانكفاء وفقدان المبادرة؟
الإجابة لن تحسمها التصريحات، وإنما ستحددها تطورات الميدان خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً في كردفان ودارفور، حيث قد تتشكل ملامح المرحلة الجديدة من الحرب السودانية.

المقالة السابقة

التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية واتفاق الردع المشترك.. قراءة تحليلية .. د. خالد حسين محمد

المقالة التالية

عندما يصبح الغرور نرجسية… ويتحول الإنسان من قائد إلى طاغية .. د. حنان درار سيدادريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *