Popular Now

اجتماعات نيروبي.. إدمان الفشل السياسي .. عبود عبدالرحيم

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(5) .. أدوات إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران وثورة الإنقاذ الوطني في السودان .. دراسة مقارنة في الصراع السياسي والعسكري والأمني .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

وجه الحقيقة | الكهرباء… أزمة أم امتحان ؟ إبراهيم شقلاوي

حكاية الجغرافيا .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير و مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

الآن نسمع بمفردة الأهمية (الجيوستراتيجية) والتي تصاحب أخبار الحرب والصراع. وما هي إلا الجغرافية والاستراتجيية. فالجغرافيا تعني الموارد والموقع. والاستراتيجية تعني الأثر. كانت الجغرافيا فاكهة المنهج التعليمي، تمزج الحقيقة بالخيال العالي، يسبح فيه التلاميذ الصغار وطلاب المراحل الوسطى والثانوية، فيهيمون بلا ملال. في دنيا المباهج والخيال. تلك هي قصة أخرى، كما يقول الطيب صالح رحمه الله.
في أول حصةٍ للجغرافيا، وفي الصف الثاني بمدرسة (دريبو) الصغرى، دخل إلى فصلنا الأستاذ مصطفى يوسف يوماً، وفي يده (جردل)، فوضعه على المنضدة التي أمامه، ثم كتب: الحصة جغرافيا. ثم سأل: ما هذا؟ فجاءت الإجابة بالإجماع: (جردل). ثم أخذ يسأل التلاميذ واحداً واحداً، فكانت الإجابة: جردل.
ثم قام الأستاذ برسم الجردل على السبورة، سائلاً: ما هذا؟ فكانت الإجابة: جردل. فقال: هذه صورة الجردل. ثم رسم دائرتين متمركزتين (دائرة داخل أخرى)، ثم سأل. تلفّت الجميع، ولم تكن هناك إجابة. فأجاب بنفسه: هذه خريطة الجردل، مضيفاً: إذا نظرنا إلى الجردل من أعلى سنرى دائرة قعر الجردل صغيرة، ثم دائرة فم الجردل أكبر؛ هذه إذن خريطة الجردل.
الأستاذ المؤسس للتعليم في السودان، عبدالرحمن علي طه (1901–1969)، أول وزير للتعليم في السودان، يقول في كتاب مرشد التعليم الأولي (بخت الرضا، 1951): “تهدف دروس الجغرافيا في المدرسة الأولية إلى تحقيق غرضين: الغرض الأول هو توجيه الطفل لفهم لغة الجغرافيا: الخريطة، مقياس الرسم، الاتجاهات الجغرافية، والمصطلحات الأخرى الشائعة فيها. والمطلوب، قبل حفظ التعريفات، أن يدرك التلاميذ المفاهيم ووجهات النظر الجغرافية المطبقة على المكان الذي يعيش فيه التلميذ، ثم يتسع الإدراك ليصل إلى أماكن بعيدة يتصورها التلميذ.
أما الغرض الثاني فهو تشجيع التلاميذ ليتكوّن لديهم حب استطلاع لمعرفة أحوال الناس في قطرهم وغيره من الأقطار، ولينمو لديهم الشعور بتقدير الواجبات في المجتمع. وعلى المدرس أن يقدم مادةً يستلهم فيها الشعور والحماس والاقتناع بما يدرّس.”
ويشير الأستاذ عبدالرحمن إلى أن دروس الجغرافيا تبدأ بأسلوب عملي إلى حد بعيد، بدءاً من المشاركة في صناعة الخرائط، ثم متابعة الطرق التي يسلكها التلاميذ في الزيارات التي يقومون بها لأفراد المجتمع الذي يعيشون فيه، حيث يجرّبون بعض الأدوات والمعدات التي يستعملها أصحاب الحرف المقصودون بالزيارة. أما الجزء الآخر فهو استخدام الرحلات الخيالية والصور لمعرفة أحوال الناس. فالأستاذ يستخدم كتب الجغرافيا المحلية في تدريس تلاميذ الفصل الثاني وجزء من السنة الثالثة، ثم كتاب سبل كسب العيش في السودان مع الصور والخرائط، ثم سبل كسب العيش في العالم وصور من الخارج.
وقد تم تطبيق ذلك المنهج على التلاميذ في السودان (ومن بينهم هذا التلميذ الذي يكتب هذه الحكاية)، تماماً كما خططه الأستاذ عبد الرحمن علي طه وزملاؤه في بخت الرضا. فعندما انتقلنا من السنة الأولى إلى السنة الثانية في مدرسة دريبو الصغرى، ارتفع عدد حصصنا من ثلاثة حصص (حساب، عربي، دين) لتدخل حصص التاريخ، والجغرافيا والأعمال ضمن المنظومة الجديدة.
كان في جدول الأسبوع حصتان للجغرافيا، وحصة للتاريخ وأخرى للأعمال، ويزداد عدد حصص العربي قليلاً، ويصبح عدد الحصص خمس حصص يومياً بدلاً من ثلاث في السنة الأولى. وفي حصة الجغرافيا، وفي الدرس الخاص بخريطة الجردل، وبعد أن تأكد الأستاذ مصطفى أن الفهم العام لمصطلح الخريطة قد وصل إلى الأفهام الصغيرة، علّق لوحةً من الورق المقوّى على مسمار أعلى السبورة، عليها رسم آخر عبارة عن مستطيل كبير داخله مستطيلات أخرى، قائلاً: هذه هي خريطة الفصل الذي نحن بداخله الآن، وهذه المستطيلات هي المقاعد التي تجلسون عليها، ويمكن في الخريطة تحديد موقع كل واحد في الفصل.
ثم كانت بقية الحصة والحصة التي تلتها دراسة تطبيقية على خريطة الفصل، حيث يقوم كل تلميذ ليحدد موقعه في الخريطة، ثم يحدد موقع الأستاذ، وموقع الألفة (رئيس التلاميذ)، وآخرين من زملائه، يطلب منه الأستاذ تسميتهم وتحديد مواقعهم.
بعد درس خريطة الجردل وخريطة الفصل، قام الأستاذ بتدريس الاتجاهات (شرق، غرب، شمال، جنوب)، فكان كل مرة يقف تلميذ واحداً واحداً للتمرين على تحديد الاتجاهات، في كل مرة اتجاه منفرد أو اتجاهين متقابلين (شمال–جنوب، شرق–غرب). وكان كل تلميذ يتجه بوجهه شرقاً، ويمد يديه ليشير بيده اليسرى إلى الشمال وبيده اليمنى إلى الجنوب، حتى تأكد للأستاذ أنهم فهموا معنى الاتجاهات. بعدها أشار إلى أسهم الاتجاهات على خريطة الفصل، موضحاً أن سهم الشمال يكون إلى أعلى الخريطة.
توالت حصص الجغرافيا وتطبيقاتها للوصول إلى خريطة المدرسة وما حولها من مرافق: بيوت المعلمين، الطريق إلى البحر، شجرة الهجليج إلى الشرق من المدرسة، وشجرة الطندب في الركن الجنوبي الغربي. ثم رسمنا خريطة للمنطقة، فيها مساكن القرية والنهر والترعة والقنطرة والمشروع الزراعي والغابة والمقابر، ووُضع للخريطة مقياس رسم، وظهرت المعالم برموزها: للنهر رمز، وللترعة والقنطرة وطريق العربات وطريق الدواب، والمساكن والمسجد والشجرة والغابة. وكان مفتاح الرسم في أحد أركان الخريطة، وكتب عليها مقياس الرسم: 1 سم = كيلومتر مثلاً، وسهم الشمال في أعلى الخريطة.
وعندما انتقلنا إلى السنة الثالثة الابتدائية بدأت في حصة الجغرافيا قصص الرحلات: رحلات خيالية لزيارة أصدقاء خياليين في تسع مناطق مختلفة من السودان: القولد في المديرية الشمالية، البطانة، شرق كردفان، بابنوسة، يامبيو، محمد قول على البحر الأحمر، الجزيرة، أم درمان وعطبرة.
كان الأستاذ يصف الرحلة بوسائلها: الدواب، العربات، القطار البواخر، ثم يشرح حياة هؤلاء الأصدقاء وبيوتهم وزراعتهم وأنماط معيشتهم، مستعيناً بالصور التي توضح أبعاد الحياة المختلفة.
وعندما انتقلنا إلى السنة الرابعة بمدرسة كركوج الأولية، ركزت دروس الجغرافيا في الفترة الأولى على قراءة الخريطة والتطبيق العملي عليها، باستخدام خريطة البلدة بمعالمها المختلفة. ثم قُسّم التلاميذ إلى مجموعات، وأُعطيت كل مجموعة خريطة، وكان التطبيق هو تتبع مسار مرسوم للوصول إلى “كنز” مخبأ (غالباً علبة حلوى)، فتتنافس المجموعات، ويصيح التلاميذ: وجدنا الكنز! ثم استخدمت الخريطة للوصول إلى مواقع زيارات ميدانية: زرنا فيها التاجر (دكان التعاون)، والطاحونة، المركز الصحي، والنجار، والمحكمة، ومركز الشرطة، للتعرف المبكر على أدوار المهن في المجتمع. ولم نكن ندري أننا وجدنا كنوزاً من المعرفة.
أما الفترة الثانية في السنة الرابعة، فقد شملت رحلات خارج السودان: إلى مصر، والجزيرة العربية، والولايات المتحدة، والهند، والصين، وأستراليا، وسويسرا والأرجنتين، حيث نتعرّف على البيئات المختلفة وأنماط الحياة.
كان الكتاب الأول في المرحلة الوسطى يأخذنا إلى أفريقيا، وكان يُسمّى صور من إفريقيا وحوض البحر المتوسط. درسنا فيه جغرافية الوطن العربي، وزرنا بعض الأصدقاء في إفريقيا وحوض المتوسط. كان من بينهم عُرفة في بلاد العرب، التي ترعى أغنامها، وتلبس ثيابها من الصوف، وتسكن في خيام من الشعر، وكان ذلك يثير فينا حنينًا دفينًا إلى البادية. ثم درسنا فيه صديقنا أحمد في مصر، الذي كان يمارس الزراعة بجوار النيل، وذلك أيضًا كان يذكّرنا بحقولنا على شاطئ النيل. كما زرنا قرية بسكرة في الجزائر، حيث كانوا يسحبون الماء من البئر بواسطة الجمال، وبلدة (كانو) في نيجيريا، وقرية آمور في ساحل العاج، كما زرنا صديقنا (تومبي) من قبيلة الماساي في كينيا. وكان تومبي يدرس في جامعة مكريري. زرت بلدته (ناروك) في كينيا وسألت عنه هناك.
مع تغيّر المنهج، أُدرج لنا كتاب الوطن العربي، والوحدة الثلاثية بين مصر وليبيا والسودان. ثم توسّعت الجغرافيا لتشمل دراسة طبيعة الأرض بجبالها وأنهارها ومحيطاتها وتياراتها البحرية، ثم ارتقينا لندرس السحب وأنواعها، والأمطار وأسبابها، وظواهر مثل ظل المطر. كما وصلنا إلى دراسة الأرض والشمس والفصول، ثم الكواكب السيارة.
وفي المرحلة الوسطى كان الأطلس، واسمه أطلس السودان، كتابًا أساسيًا، يحوي القارات كلها وخرائطها الطبيعية والسياسية، ويفصّل في السودان قبائله وموارده. وتعلّمنا منه قراءة الخرائط الكنتورية، وألوان الارتفاع والانخفاض، وخطوط الطول والعرض، والفصول، وحركة الأرض، وتعامد الشمس، وخطوط الزمن، والأقاليم المناخية، والتيارات البحرية.
في المرحلة الثانوية توسعت الدراسة لتشمل الجغرافيا الطبيعية والبشرية، والجيولوجيا، وعلم الخرائط والمناخ، والموارد، والأنشطة الاقتصادية، ووسائل النقل، ومشروعات التنمية، والجغرافيا الإقليمية للعالم والوطن العربي. لكن ربما الكتاب الأهم هو جغرافية السودان الذي يتوسع في دراسة نظم الزراعة والرعي والنقل ومسميات المديريات والمدن.
هكذا كانت الجغرافيا: علماً يدرس الأرض وظواهرها الطبيعية والبشرية، ويجمع بين الخريطة والإنسان والبيئة والكون. من خريطة الجردل إلى الكرة الأرضية، ومن الفصل إلى العالم، ومن الواقع إلى الخيال.
هل يا ترى يتلقى التلاميذ اليوم معارف متسلسلة ومترابطة ومتسعة كما كان منهج الجغرافيا عند عبد الرحمن علي طه وزملائه وتلاميذه من بعد؟ ليت أن منهج الجغرافية أبقي عليه بتسلسل و اتساع مشابه، وتطويره بما استجد من معارف وتطبيقات بما فيها نظام الموقع ذي البعد الثلاثي وتطبيقات المواقع وغيرها وغيرها.
الصادق عبدالله عبدالله
الرياض 16 ابريل 2026م

المقالة السابقة

سلسلة: الحرب على السودان التقرير رقم (25) .. مؤتمر برلين حول السودان: بين رهانات التسوية وصراع التمثيل وتقاطعات النفوذ الدولي .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

المقالة التالية

مؤتمر برلين 15 أبريل 2026: اختبار الحقيقة لا إدارة الأزمة .. بقلم: إبراهيم كرار – برلين

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *