Popular Now

الدعم السريع.. انهيار الركائز وبداية السقوط (1-2) .. د. خالد حسين محمد

منشورات د. احمد المفتي رقم 6099 | المليونير السعودي الراجحي وامرأة من القرير !!!

الولاية القضائية العالمية والحرب السودانية .. قراءة قانونية في الشكوى الجنائية المقدمة أمام القضاء الكيني .. مستشار: هشام محمود سليمان

الولاية القضائية العالمية والحرب السودانية .. قراءة قانونية في الشكوى الجنائية المقدمة أمام القضاء الكيني .. مستشار: هشام محمود سليمان

تمثل الشكوى الجنائية التي قدمت مؤخرًا أمام السلطات القضائية الكينية ضد عدد من عناصر قوات الدعم السريع تطورًا نوعيًا في مسارالمساءلة القانونية عن الجرائم المرتكبة خلال النزاع المسلح في السودان فهذه الخطوة لا تقتصرأهميتها على كونها أول محاولة لملاحقة متهمين خارج الإقليم السوداني وإنما تكمن دلالتها الأعمق في استدعاء أحد أكثر مبادئ القانون الجنائي الدولي تطورًا وتأثيرًا وهو مبدأ الولاية القضائية العالمي. (Universal Jurisdiction) يقوم هذا المبدأ على قاعدة قانونية راسخة مفادها أن بعض الجرائم الدولية تمثل اعتداءً على المجتمع الدولي بأسره بحيث لا يجوزأن يفلت مرتكبوها من العقاب بسبب الحدود السياسية أو اعتبارات السيادة الوطنية، ومن ثم يحق لأي دولة أن تباشر التحقيق والمحاكمة متى وجد المتهم على إقليمها أوارتبط بها ارتباطًا قانونيًا كافيًا حتى وإن وقعت الجريمة خارج حدودها ولم يكن الضحايا أو الجناة من رعاياها.
وقد اكتسب هذا المبدأ مشروعيته من القانون الدولي العرفي ثم جرى تقنينه في عدد من الاتفاقيات الدولية الملزمة وعلى رأسها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 اللذان أوجبا على الدول الأطراف ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني أو تسليمهم إلى جهة قضائية مختصة، كما كرسته اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1984 التي ألزمت الدول بممارسة اختصاصها القضائي على مرتكبي جرائم التعذيب الموجودين على أراضيها وفق مبدأ (إما المحاكمة أو التسليم).
وتستند الشكوى المقدمة في نيروبي إلى وقائع يزعم أنها ارتكبت خلال النزاع المسلح الدائر في السودان منذ أبريل 2023 وتشمل القتل، والتعذيب، والاحتجازغير المشروع، والعنف الجنسي والمعاملة القاسية واللا إنسانية. وهذه الأفعال إذا ثبتت قضائيا بالأدلة والبينات المقبولة قانونًا قد تشكل جرائم حرب بموجب المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، كما قد تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة السابعة من النظام ذاته إذا ثبت أنها ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين.
ومن الناحية القانونية فإن التكييف الجنائي لهذه الوقائع لا يتوقف على جسامة الأفعال الفردية فحسب، بل يرتبط أيضًا بطبيعة السلوك الإجرامي والسياق الذي وقعت فيه الانتهاكات، فالقانون الدولي الجنائي لا ينظر إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية باعتبارها مجرد جرائم تقليدية وإنما بوصفها أفعالاً تمس القيم الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي وفي مقدمتها حماية الكرامة الإنسانية وحظر استهداف المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، كما تكتسب هذه الدعوى أهمية إضافية من زاوية مكافحة الإفلات من العقاب، فقد رسخت السوابق القضائية للمحاكم الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا وكذلك اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية مبدأ عدم جواز التذرع بالصفة الرسمية أو الرتبة العسكرية للإفلات من المسؤولية الجنائية عن الجرائم الدولية الجسيمة، بل إن المسؤولية قد تمتد إلى القادة العسكريين والمدنيين بموجب نظرية (المسؤولية القيادية) ( Command Responsibility ) متى ثبت علمهم بالجرائم أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها. وتجدر الإشارة إلى أن مجرد تقديم الشكوى لا يعني ثبوت الاتهامات أو إدانة المشتبه بهم إذ يبقى أصل البراءة أحد المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية الدولية والوطنية على السواء غيرأن فتح التحقيق في حد ذاته يمثل اعترافًا قانونيًا بأحقية الضحايا في الوصول إلى العدالة ويؤكد أن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم السياسي ولا تنتهي آثارها بانتهاء العمليات العسكرية.
إن ما يجري اليوم أمام القضاء الكيني قد يكون بداية مسار قضائي طويل، لكنه يعكس تحولًا مهمًا في التعاطي مع الحرب السودانية فالنزاعات المعاصرة لم تعد تحسم فقط في ميادين القتال وإنما أيضا داخل قاعات المحاكم التي أصبحت جزءا من منظومة الأمن والسلم الدوليين ولذلك فإن أهمية هذه القضية تتجاوز الأشخاص محل الاتهام لتلامس مبدأً أكثر جوهرية وهو أن احترام القانون الدولي لم يعد خيارا سياسيا للدول والجماعات المسلحة بل أصبح التزامًا قانونيًا يترتب على انتهاكه قيام المسؤولية الجنائية الدولية، وعليه فإن الشكوى المقامة أمام القضاء الكيني لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إجراءً معزولًا، بل باعتبارها اختبارًا عمليًا لقدرة منظومة العدالة الدولية على إنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في القارة الأفريقية خلال العقد الأخير.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان… هل نخوض حربًا أم نُدار داخل صراع؟ (قراءة ثانية لمقال الأمس) د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6099 | المليونير السعودي الراجحي وامرأة من القرير !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *