دخلت الحرب في السودان مرحلة أكثر تعقيداً مع تزامن التطورات العسكرية في دارفور وكردفان والخرطوم مع تصاعد الحراك السياسي الذي تقوده الآلية الخماسية، وسط استمرار التباين بين القوى السودانية حول مستقبل العملية السياسية، وفي ظل تزايد المخاوف من اتساع الأبعاد الإقليمية للنزاع.
ميدانياً، أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة استمرار عملياتها في عدد من المحاور، مع تحقيق تقدم في بعض المناطق، بينما أفادت تقارير إعلامية بتنفيذ غارات استهدفت مواقع ومخازن عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع. كما وجهت القيادة العسكرية نداءات أخيرة للمدنيين الموجودين في بعض مناطق العمليات بضرورة مغادرتها حفاظاً على سلامتهم، في مؤشر إلى احتمال اتساع نطاق العمليات العسكرية خلال المرحلة المقبلة.
وفي تطور آخر، أعلن النور القبة تسليم مجموعة من قوات الدعم السريع إلى الجيش السوداني، موجهاً دعوات إلى بقية العناصر لإلقاء السلاح والانضمام إلى مسار الدولة، وهي خطوة – إذا استمرت – قد تعكس تصاعد الضغوط العسكرية والنفسية على بعض التشكيلات المقاتلة، وإن كانت آثارها الميدانية ستظل مرتبطة بحجم الانشقاقات وطبيعتها.
وعلى المستوى الدولي، دعا مرصد حقوقي إلى إجراء تحقيق دولي بشأن تقارير تحدثت عن وجود أسلحة متطورة في مسرح العمليات بكردفان، كما تناول تقرير أممي مزاعم تتعلق باستخدام طائرات مسيرة وشبكات إمداد عابرة للحدود في غرب السودان، وهي ملفات تعكس استمرار الاهتمام الدولي بمصادر تسليح أطراف النزاع، مع ضرورة التمييز بين ما يرد في التقارير وما تثبته التحقيقات الرسمية المستقلة.
سياسياً، واصلت الآلية الخماسية لقاءاتها مع القوى السياسية السودانية في أديس أبابا سعياً إلى فتح مسار جديد للحوار. غير أن الاجتماعات كشفت استمرار الانقسام بين القوى السياسية؛ إذ أعلن حزب الأمة القومي رفضه المشاركة بصيغتها الحالية، بينما شددت أطراف أخرى، من بينها شخصيات سياسية مستقلة، على ضرورة أن يُعقد الحوار داخل السودان، مع الفصل بين المسار السياسي والترتيبات الأمنية، باعتبار أن نجاح أي عملية سلام يتطلب توافقاً وطنياً حقيقياً.
وفي المقابل، أعلن تحالف “تأسيس” موقفه من دعوة الآلية الخماسية، بما يؤكد استمرار التباين بين مكونات المشهد السياسي السوداني بشأن آليات إدارة المرحلة الانتقالية ومستقبل التسوية السياسية.
إقليمياً، برزت تطورات مقلقة على الحدود السودانية الإثيوبية، حيث تداولت وسائل إعلام وتقارير محلية معلومات عن توغلات واحتكاكات محدودة في منطقة الفشقة، في وقت تشهد فيه إثيوبيا توترات داخلية متجددة، بعد اتهامات وجهتها سلطات إقليم تيغراي للحكومة الفيدرالية بالتحضير لعمليات عسكرية جديدة. وإذا صحت هذه التطورات، فإنها قد تضيف بعداً أمنياً جديداً للعلاقات السودانية الإثيوبية، خاصة في ظل حساسية ملفات الحدود والزراعة وسد النهضة.
كما تداولت بعض المنصات الإعلامية اتهامات تتعلق بأدوار خارجية في تطورات الحدود السودانية، وبملفات الذهب وطرق الإمداد، إلا أن هذه المزاعم ما تزال محل جدل، بينما تواصل الدول المعنية نفي الاتهامات المنسوبة إليها، الأمر الذي يستوجب انتظار نتائج أي تحقيقات مستقلة قبل الجزم بصحتها.
دلالات استراتيجية
أولاً: تشير التطورات العسكرية إلى استمرار انتقال زمام المبادرة في بعض الجبهات، مع سعي القوات المسلحة إلى توسيع نطاق سيطرتها في كردفان ودارفور، بما ينعكس على موازين القوى في المرحلة المقبلة.
ثانياً: تكشف الانقسامات داخل القوى السياسية السودانية أن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة لا يزال يواجه تحديات كبيرة، رغم النشاط المتزايد للآلية الخماسية.
ثالثاً: يظل ملف الدعم الخارجي وتسليح أطراف النزاع من أكثر القضايا حساسية، إذ تتواصل الاتهامات المتبادلة، بينما يبقى الحسم مرهوناً بنتائج التحقيقات الدولية والحقائق الموثقة.
رابعاً: تمثل التطورات على الحدود السودانية الإثيوبية مؤشراً يستحق المتابعة، لأن أي تصعيد حدودي قد يفتح جبهة جديدة تزيد من تعقيد المشهد الأمني في السودان والقرن الأفريقي.
خامساً: تؤكد مجريات الأحداث أن مستقبل الحرب لن يتحدد بالميدان العسكري وحده، بل أيضاً بقدرة السودانيين على بناء توافق سياسي يحافظ على وحدة الدولة ويعيد مؤسساتها بعيداً عن التدخلات الخارجية والاستقطابات الإقليمية.
خاتمة
تؤكد تطورات الأيام الأخيرة أن الحرب في السودان تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتصبح أزمة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية. وبين استمرار العمليات العسكرية، وتعدد المبادرات السياسية، وتصاعد التوترات على الحدود، يبقى السلام الحقيقي مرهوناً بحوار سوداني شامل يحفظ سيادة الدولة، ويضع حداً لمعاناة المدنيين، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التوافق الوطني وسيادة القانون، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والصراعات الإقليمية.
سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (32) بين تصاعد العمليات العسكرية وتعقيدات الوساطة: هل تتجه الحرب السودانية نحو تدويل أوسع؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


