Popular Now

وجه الحقيقة | السودان… حوار الدولة والسلطة .. إبراهيم شقلاوي

صمت الرقيب وتغول الفساد: هل هو عجز مؤسسي أم هندسة استراتيجية لمستقبل البلاد؟ .. د/عبدالمولى موسى محمد

منشورات د. احمد المفتي رقم 6172 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. حملة ضخمة جدا ، للدفاع عن معتقل ، نتمني ان تمتد ، للدفاع عن كل المواطنين المهضومة حقوقهم

عندما فقدت الكرة السودانية ذاكرتها .. عادل الرفاعي ابوالحسن

من أبسط بديهيات بناء الأمم أن الخبرة لا تبدأ من الصفر، وأن كل جيل ينبغي أن يبني على ما أنجزه الجيل الذي سبقه. فالمعرفة والتجارب والمهارات لا قيمة لها إذا لم تنتقل، لأن تقدم المجتمعات لا يعتمد فقط على الإمكانات، وإنما على قدرتها على حفظ الخبرات وتطويرها وتسليمها للأجيال القادمة.

ولعل الرياضة تقدم لنا مثالاً بسيطاً وواضحاً لهذه الحقيقة. فهي، في ظاهرها، مجال للمنافسة والترفيه، وليست مجالاً علمياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو مشروعاً نهضوياً. لكن المفارقة أن انقطاع الخبرة فيها ترك أثراً بالغاً، فكيف يكون الحال في المجالات التي تقوم عليها نهضة الدول؟

وتقدم لنا الكرة السودانية نموذجاً يستحق التأمل. فقد كان السودان من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وأسهم في وضع اللبنات الأولى لكرة القدم الأفريقية. كما شهدت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي العصر الذهبي للكرة السودانية، وتُوِّج ذلك بالفوز بكأس الأمم الأفريقية عام 1970، بعد الانتصار في المباراة النهائية على غانا بهدف سجله حسن أبو العائلة.

لكن في عام 1976، وفي عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، شهدت الرياضة السودانية تحولاً جذرياً عندما تم حل الأندية والانتقال إلى ما عُرف بـ«الرياضة الجماهيرية». وأياً كان تقييم تلك التجربة، فإنها أحدثت فجوة في انتقال الخبرات بين الأجيال، وأضعفت الدور التاريخي للأندية بوصفها حاضنة للمواهب ومصنعاً للخبرة الرياضية.

ومع مرور الوقت، هاجر عدد كبير من اللاعبين والمدربين والإداريين إلى دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، وأسهموا هناك في تطوير الحركة الرياضية ونقل خبراتهم، بينما فقدت الرياضة السودانية جزءاً مهماً من تراكمها المعرفي والمؤسسي.

ولا يعني ذلك أن قراراً واحداً كان سبباً لكل ما آلت إليه الرياضة السودانية، فنجاح الرياضة أو تراجعها تحكمه عوامل كثيرة. لكن المؤكد أن انقطاع سلسلة الخبرة بين الأجيال له ثمن، وأن المؤسسات التي تفقد ذاكرتها تضطر إلى إعادة اكتشاف ما كانت تعرفه بالأمس.

ومن هنا أغتنم هذه السانحة لأطرح سؤالاً ظل يراودني منذ سنوات: لماذا تنجح بعض الأندية، مثل الأندية المصرية والمغربية، في استقطاب لاعبين محترفين يحققون الإضافة والبطولات، بينما لا تحقق الأندية السودانية النتائج نفسها، رغم أن المبالغ التي تُدفع في تسجيل المحترفين متقاربة في كثير من الأحيان؟ إنه سؤال يستحق الدراسة، لأن النجاح لا تصنعه الأموال وحدها، بل تصنعه المنظومة التي تختار، وتدير، وتتابع، وتقيم.

وما دام الحديث قد قادنا إلى الرياضة، فمن الضروري إعادة النظر في موقعها داخل مشروعنا الوطني. فالرياضة اليوم، شئنا أم أبينا، اتفقنا أم اختلفنا، قبلنا أم رفضنا، أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة في عالم اليوم.

فلم تعد مجرد منافسة داخل الملاعب، بل أصبحت وسيلة لبناء الجسور بين الدول، وتقريب وجهات النظر، وفتح آفاق جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي. وكثيراً ما أسهمت الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، في كسر الجمود وإعادة التواصل بين دول، وفي تهيئة مناخ للحوار عجزت عنه الوسائل التقليدية. والأمثلة على ذلك كثيرة في عالم اليوم.

ولهذا فإن الاهتمام بالرياضة لا ينبغي أن يكون من أجل البطولات وحدها، بل لأنها أصبحت استثماراً في الإنسان، وفي صورة الوطن، وفي علاقاته الإقليمية والدولية.

لكن القضية التي أردت الوصول إليها ليست قضية كرة قدم، وإنما قضية دولة. فإذا كان انقطاع الخبرة قد أضر بمجال يبدو في ظاهره مجالاً للعب، فكيف يكون أثره في التعليم، والإدارة، والاقتصاد، والصناعة، والزراعة، وسائر مؤسسات الدولة؟

إنها بديهية قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر: الأمم التي تحفظ خبراتها تتقدم، والأمم التي تقطع صلتها بتجاربها تضطر دائماً إلى البدء من جديد.

وهنا يبرز السؤال الذي يؤرقني: لماذا نظل دائماً في بدايات الطريق؟ لماذا نعيد بناء ما بُني من قبل، بدلاً من أن نضيف إليه وننطلق منه؟

إن نهضة الأمم لا تقوم على البدء المتكرر، وإنما على تراكم الخبرة، واستمرار المؤسسات، واحترام ما أنجزته الأجيال السابقة، ثم البناء عليه وتطويره

المقالة السابقة

حين يصبح السؤال: أي سودان نريد؟ .. قراءه في استطلاع مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام .. حول مستقبل مجلس السيادة .. د.ماجدة مطر يعقوب

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6172 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. حملة ضخمة جدا ، للدفاع عن معتقل ، نتمني ان تمتد ، للدفاع عن كل المواطنين المهضومة حقوقهم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *