هناك فرق جوهري بين الهدنة والسلام، والخلط بينهما قد يكون أخطر من الحرب نفسها. الهدنة توقف إطلاق النار، أما السلام فينهي أسباب الحرب.
الهدنة إجراء مؤقت لفتح ممرات إنسانية، وحماية المدنيين وتهيئة المناخ للتفاوض، بينما السلام اتفاق سياسي وأمني يعالج جذور النزاع، ويحدد مستقبل السلاح، وترتيبات السلطة ووحدة الدولة ويضع ضمانات تمنع تجدد القتال.
ولهذا فإن قبول هدنة لا يعني بالضرورة قبول التسوية السياسية التي قد تأتي بعدها، فالخطر يبدأ عندما تتحول الهدنة من جسر إلى السلام إلى غطاء لتثبيت خرائط الحرب، فيبقى كل طرف في المناطق التي سيطر عليها، وتتحول خطوط التماس إلى مناطق نفوذ، ثم تتحول مناطق النفوذ مع الزمن إلى حقائق سياسية.
وفي الحالة السودانية تصبح هذه النقطة أكثر حساسية، فإذا كانت الهدنة ستؤدي إلى وقف النار، وانسحاب القوات من المدن، وتجميعها في مواقع محددة، وضبط السلاح، وإخراج المقاتلين الأجانب ثم إطلاق حوار سوداني حول مستقبل الدولة، فهي خطوة حقيقية باتجاه السلام أما إذا كانت ستؤدي فقط إلى تثبيت الوضع العسكري القائم ومنح كل طرف وقتاً لإعادة ترتيب صفوفه فإنها ليست سلاما إنها تجميد للحرب بوسائل سياسية وهنا ينبغي أن يكون السؤال أمام مسد بولس واضحاً هل المطلوب هدنة تمهد لسلام سوداني يحافظ على وحدة الدولة أم هدنة تبقي نتائج الحرب على الأرض ثم تنقلها إلى مائدة التفاوض؟ فالسلام الحقيقي يقاس بمدى قدرة الاتفاق على منع عودة الحرب وإعادة بناء دولة واحدة بجيش واحد، وسلطة شرعية وسيادة لا تتقاسمها القوى المحلية والإقليمية.


